وهذا هو المقابل لمن أخذ كتابه بيمينه ؛ لأنه عميتْ بصيرته في الدنيا فعمى في الآخرة ، وطالما هو كذلك فلا شَكَّ أنه من أهل الشمال ، فالآيات ذكرتْ مرة السبب ، وذكرتْ مرة المسبّب ، ليلتقي السبب والمسبب ، وهو ما يعرف باسم [الاحتباك] البلاغي.
فكأن الحق سبحانه قال: إن مَنْ أُوتِي كتابه بيمينه وقرأه وتباهى به لم يكُنْ أعمى في دنياه ، بل كان بصيراً واعياً ، فاهتدى إلى منهج الله وسار عليه ، فكانت هذه نهايته وهذا جزاءه.
أما مَنْ أوتي كتابه بشماله فقد كان أعمى في الدنيا عمى بصيرة لا عمى بصر ؛ لأن عمى البصر حجب الأداة الباصرة عن إدراك المرائي ، والكافرون في الدنيا كانوا مُبصرين للمرائي من حولهم. مُدركين لماديات الحياة ، أما بصيرتهم فقد طُمِس عليها فلا ترى خيراً ، ولا تهتدي إلى صلاح.
وسبق أن قلنا: إن الإنسان لكي يسير في رحلة الحياة على هدى لا بُدَّ له من بصر يرى به المرائي المادية ، حتى لا يصطدم بأقوى منه فيتحطم أو بأضعف منه فيحطمه ، والبصر للمؤمن والكافر من عطاء الربوبية للإنسان. لكن إلى جانب البصر هناك عطاء آخر هو ثمرة من ثمار عطاء الألوهية الذي لا يكون إلا للمؤمن ، ألا وهو البصيرة ، بصيرة القيم التي يكتسبها الإنسان من منهج الله الذي آمن به وسار على هَدْيه.
وقوله: {فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا} [الإسراء: 72]
إنْ كان عماه في الدنيا عمى بصيرة ، فَعَماه في الآخرة عمى بصر ؛ لأن البصيرة مطلوبة منه في الدنيا فقط ؛ لأن بها سيُعرف الخير من الشر ، وعليها يترتب العمل ، وليست الآخرة مجال عمل ، إذن: العمى في الآخرة عمى البصر ، كما قال تعالى في آية أخرى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى} [طه: 123 - 124]