(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
إن سأل سائل عن قوله تعالى (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)
فقال كيف يجوز أن يكونوا في الآخرة عميا وقد تظاهر الخبر عن الرسول بأن الخلق يحشرون كما بدئوا سالمين من الآفات والعاهات قال الله تعالى (كما بدأنا أول خلق نعيده) وقال الله تعالى (وكما بدأكم تعودون)
وقال - عزَّ وجلَّ - (فبصرك اليوم حديد) .. ؟
الجواب يقال في هذه الآية أربعة أوجه:
أحدها أن يكون العمي الأول إنما هو عن تأمل الآيات والنظر في الدلالات والعبر التي أراها الله تعالى المكلفين في أنفسهم وفيما يشاهدون ويكون العمي الثاني هو عن الإيمان بالآخرة والإقرار بما يجازى به المكلفون فيها من ثواب أو عقاب ..
وقد قال قوم إن الآية متعلقة بما قبلها من قوله تعالى (ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله) إلى قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ثم قال بعد ذلك (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) يعني في هذه النعم وعن هذه العبر فهو في الآخرة أعمى أي هو عما غيب عنه من أمر الآخرة أعمى ويكون قوله في هذه كناية عن النعم لا عن الدنيا ..
ويقال إن ابن عباس سأله سائل عن هذه الآية فقال له اتل ما قبلها فنبهه على التأويل الذي ذكرناه ..
والجواب الثاني من كان في هذه يعني الدنيا أعمى عن الإيمان بالله والمعرفة بما أوجب الله عليه المعرفة به فهو في الآخرة أعمى عن الجنة والثواب بمعنى أنه لا يهتدي إلى طريقهما ولا يوصل إليهما أو عن الحجة إذا سئل وأوقف ومعلوم أن من ضل عن معرفة الله تعالى والإيمان به يكون يوم القيامة منقطع الحجة مفقود المعاذير ..
والجواب الثالث أن يكون العمى الأول عن المعرفة والإيمان والثاني بمعنى المبالغة في الاخبار عن عظم ما يناله هؤلاء الكفار الجهال بالله من الخوف والغم والحزن الذي أزاله الله عن المؤمنين العارفين بقوله (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ومن عادة العرب إن تسمى من اشتد همه وقوى حزنه أعمى
سخين العين ويصفون المسرور بأنه قرير العين قال الله تعالى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) ..
والجواب الرابع أن يكون العمى الأول يكون عن الإيمان والثاني هو الآفة في العين على سبيل العقوبة