في الإنسان أحق بالذم، وإنها في البهائم والسباع جبلات وطباع، وهي ليست مكلفة بأفعالها، بخلاف الإنسان فهي فيه أكثر قبحاً وأحق ذماً.
فقد علمت بذلك أن المتشبه بالبهائم والسباع مستوجب لأشد اللوم وأقبح الذم، وذلك كان في التنفير عن التشبه بهما.
ومن كلام الراغب في"الذريعة": ومن صرف همته كلها في تربية القوى الشهوانية باتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام لَخَلِيق أن يلحق بأفق البهائم فيصير غَمْراً كثور، واما شَرِهاً كخنزير، أو ضارياً ككلب، أو حقوداً كجمل، أو متكبراً كنمر، أو ذا رَوَغان كثعلب، أو يجمع ذلك كله كشيطان مَريد، وعلى ذلك قوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [سورة المائدة: 60] .
الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الحكيم الذي هو مثال العقل في كلام الغزالي رحمه الله تعالى مأمور بثلاثة أمور بها يكون حكيماً، وإلا كان سفيهاً:
-أن يدفع كيد الشيطان.
-ويكسر شهوة الخنزير.
-ويدفع ضراوة الكلب.
ويسوس بهذا الثلاثة التي اشتملت عليها دائرة مملكته أحسن السياسة، وإلا بأن أطاع شيطانه، أو استرسل مع شهوته، أو امتد في غضبه لم يكن حكيماً، بل إن غلبت عليه الشهوة صار بهيمة، أو الغضب أو الضراوة صار سبعاً، وإن جمع بينهما مع علمه بأن ذلك يضره صار شيطاناً.
وقد اتضح لك بذلك أن الذي يستحق أن يطلق عليه اسم الحكيم هو الرجل العاقل؛ أي: الذي قدر بعقله على منع شهوته، وقَطَع غضبه، وقَمَع شيطانه.
وتسمية العقل حكيمًا على سبيل المبالغة، والإشارة إلى أن الحكيم لا يقال لغير العاقل المتصرف بعقله في مملكة إنسانيته أحسن التصرف.
ولذلك قال ابن زيد رحمه الله تعالى في قوله - عز وجل: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [سورة البقرة: 269: الحكمة: العقل في الدين.
وقال الإمام مالك: الفقه في دين الله. أخرجهما ابن أبي حاتم.
وروى عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى قال: الحكمة:
الفقه في القرآن.
وروى هو وابن جرير عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: الحكمة: القرآن، والعلم، والفقه.