واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة ، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا ، فمنا ظنك بما هو الأبعد! ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله"أنا"فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً ، أو جسماً هو هذه البنية ، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً. أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس ، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل. والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره ، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه ، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء} [البقرة: 154] ، {يا أيتهالنفس المطمئنة ارجعي} [الفجر: 28] {النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً} الزمر: 46] وكقوله صلى الله عليه وسلم:"أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار"القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران"وقوله في خطبة طويلة:"حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي"توجب مغايرة النفس للبدن ، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير ، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر ، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك ، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة ، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية ، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي ، فعلم أن لا عبرة بالبنية ،"