ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟ فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.
ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية. على أنه سبحانه قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} [الشعراء: 221] وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله تعالى. قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال. وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها. ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: {ولقد صرفنا} رددنا وكررنا {للناس في هذا القرآن من كل مثل} "من كل"معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح. {فأبى أكثر الناس} فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا {إلا كفوراً} وجحوداً. قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} [الآية: 41] لتقدم ذكرهم في السورة. وذكرهم في"الكهف"إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: {في هذا القرآن} كما قدمه في قوله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} وأما في"الكهف"فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها. وقد أوحاها الله تعالى إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 4 صـ 372 - 387}