فهرس الكتاب
وقال عز وجل: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} [سورة يونس] الآية , وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به العادة إلى ما قد جرت به وقد اجتمع والمشبه به في الزينة والبهجة ثم الهلاك بعده. وفي ذلك العبرة لمن اعتبر, والموعظة لمن تفكر في أن كل فانٍ حقير وإن طالت مدته , وصغير وإن كبر قدره , وقال عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) } [سورة القمر] وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به , وقد اجتمعا في قلع الريح لهما , وإهلاكها إياهما , وفي ذلك الآية الدالة على عظيم القدرة والتخويف من تعجيل العقوبة , وقال عز وجل: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان} [سورة الرحمن] فهذا تشبيه قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قدر جرت به , وقد اجتمعا في الحمرة , وفي لين الجواهر السيالة وفي ذلك الدلالة على عظيم الشأن ونفوذ السلطان , لتنصرف الهمم بالأمل إلى ما هناك , وقال عز وجل: اعلموا
أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمث غيث أعجب الكفار نباته [سورة الحديد] الآية , فهذا تشبيه قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به , وقد اجتمعا في شدة الإعجاب ثم في التغيير بالانقلاب , وفي ذلك الاحتقار للدنيا والتحذير من الاغترار بها والسكون إليها.
وقال عز وجل: {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} [سورة الحديد] فهذا تشبيه قد أخرج ما لم يعلم بالبديهة إلى ما يعلم , وفي ذلك البيان العجيب بما قد تقرر في النفس من الأمور , والتشويق إلى الجنة بحسن الصفة مع مالها من السعة , وقد اجتمعا في العظم , وقال عز وجل: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} [سورة الجمعة] , وهذا تشبيه قد أخرج ما لم يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة , وقد اجتمعا في الجهل بما حملا , وفي ذلك العيب لطريقة من ضيع العلم بالاتكال على حفظ الرواية من غير دراية.
وقال عز وجل: {كأنهم أعجاز نخل خاوية} [سورة الحاقة] وهذا تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم , وقد اجتمعا في خلو الأجساد من الأرواح , وفي ذلك الاحتقار لكل شيء يؤول به الأمر إلى ذلك المآل.