فهرس الكتاب
أما القول بأن الآية ابتدأت بافتراض اجتماع الإنس والجن، وأن هذا الافتراض لا يتصور عقلاً، ممَّا يعني أن نتيجته لا تتصور عقلاً، فهو خلاف لظاهر الآية الكريمة، ومدلولها؛ لأن اجتماع الإنس والجن، لو كان افتراضًا، لوجب أن يكون نظم الكلام هكذا:
"لَو اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ". فلما لم يقل ذلك، وقيل:
"لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ"
علِم أنه ليس افتراضًا؛ وإنما هو مُمْكنٌ؛ لأن أداة الشرط"إِنْ"تدل على الإمكان، وعدم الإمكان، بخلاف"لَوْ"، التي من معانيها: فرض ما ليس بواقع واقعًا.
ثم إذا كان هذا افتراضًا، فكيف يقسم ربنا تبارك وتعالى على شيء، يفترض حدوثه مسبقًا؛ ليثبت عجز الإنس والجن على الإتيان بمثل هذا القرآن؟! ولو كان افتراضًا، لكان كل قول ورد على هذا الأسلوب مبنيًّا على الافتراض؛ كقوله تعالى:
"لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ" (المائدة:28)
"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" (العنكبوت:61)
فبسط اليد للقتل في الآية الأولى، وسؤال المشركين عمَّن خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر في الآية الثانية، ليس بافتراض؛ وإنما هو ممكن، وغير ممكن.
أما الافتراض فهو ما كان مبنيًّا على الأداة"لَوْ"؛ كما في قوله تعالى:
"وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ" (الأنعام:111) .
"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ" (المائدة:36) .
ونحن إذا نظرنا إلى الآية الكريمة:
"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء:88)