فهرس الكتاب
هذه الآية احتجاج عليهم فيما استبعدوه من العبث، وذلك أنهم قرروا على خلق الله تعالى واختراعه لهذه الجملة التي البشر جزء منها، فهم لا ينكرون ذلك، فكيف يصح لهم أن يقروا بخلقه للكل وإخراجه من خمول العدم وينكرون إعادته للبعض؟ فحصل الأمر في حيز الجواز، وأخبر الصادق الذي قامت دلائل معجزاته بوقوع ذلك الجائز، و"الرؤية"في هذه الآية رؤية القلب، و"الأجل"هنا يحتمل أن يريد به القيامة ويحتمل أن يريد أجل الموت، و"الأجل"على هذا التأويل اسم جنس لأنه وضعه موضع الآجال، ومقصد هذا الكلام بيان قدرة الله عز وجل وملكه لخلقه، وبتقرير ذلك يقوى جواز بعثه لهم حين يشاء لا إله إلا هو، وقوله {فأبى} عبارة عن تكسبهم وجنوحهم، وقد مضى تفسير هذه الآيات آنفاً، وقوله تعالى: {قل لو أنتم تملكون} الآية حكم لو أن يليها الفعل إما مظهراً وإما مضمراً يفسره الظاهر بعد ذلك، فالتقدير هنا، قل لو تملكون خزائن، ف {أنتم} رفع على تبع الضمير، و"الرحمة"في هذه الآية المال والنعم التي تصرف في الأرزاق، ومن هذا سميت {رحمة} ، و {الإنفاق} المعروف ذهاب المال وهو مؤد إلى الفقر، فكأن المعنى خشية عاقبة الإنفاق، وقال بعض اللغويين أنفق الرجل معناه افتقر كما تقول أترب وأقتر، وقوله {وكان الإنسان قتوراً} أي ممسكاً، يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تعالى تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو مخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الرحمة الأرزاق، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته، وبهذا النظر تتلبس هذه الآية بما قبلها، والله ولي التوفيق برحمته، ومن الإقتار قول أبي داود: [الخفيف]
لا أعد الإقتار عدماً ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 3 صـ}