وقال: {ذَلِكَ} [الإسراء: 39] أي: الذي ذكرنا من الآيات {مِمَّآ أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} [الإسراء: 39] المودعة فيها كما قدرنا بعضها، {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الإسراء: 39] أي: لا تنظر إلى هذه المانعات بنظر الهوى فيتعلق بشيء فيها يقطعك عن الله {فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ} [الإسراء: 39] البعد {مَلُوماً} [الإسراء: 39] بكل لسان {مَّدْحُوراً} [الإسراء: 39] ومبعداً عن سعادة الأبد.
ثم أخبر عن خسارة الإنسان وخسارته بقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثاً} [الإسراء: 40] يشير إلى كمال ظلومية الإنسان وكمال جهوليته، أما كمال ظلوميته فبأنهم ظنوا الله سبحانه أنه من جنس الحيوانات التي من خاصيتها التوالد، ومن كمال جهولة الإنسان بأنهم لم يعلموا أن الحاجة إلى التوالد لبقاء الجنس، فإن الله تعالى باقٍ أبدي لا يحتاج إلى التوالد لبقاء الجنس، فإن الله تعالى باقٍ أبدي لا يحتاج إلى التوالد لبقاء الجنس، ولم يعلموا أن الله منزه عن الجنس وليس الملائكة من جنسه، فإنه خالق أزلي أبدي وأن الملائكة هم المخلوقون، ومن كمال الظلومية والجهولية أنهم حسبوا أن الله تعالى إنما أصفاهم بالبنين واختار لنفسه البنات لجهله بشرف البنين على البنات فلهذا قال: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} [الإسراء: 40] أي: قولاً ينبئ عن عظم أمر ظلوميتكم وجهوليتكم.
ثم قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ} [الإسراء: 41] أي: بالحكم والمواعظ والرموز والإشارات والدقائق والحقائق والترغيب والتشويق والتحبيب {لِيَذَّكَّرُواْ} [الإسراء: 41] أي: ليذكروا يوم الميثاق والإنفاق على الوفاق {وَمَا يَزِيدُهُمْ} [الإسراء: 41] الظلومية والجهولية {إِلاَّ نُفُوراً} [الإسراء: 41] عن حظائر قدسنا ومجالس أنسنا.