ومن القضايا البارزة في هذه السورة والتي لا تنفصل عما نتحدث فيه من الارتقاء فوق الأسباب حين نتعامل مع الله عز وجل، قضية الاستثناء، اسمها قضة الاستثناء، ومعنى الاستثناء يعني أن نقول في الأشياء المستقبلة سأفعل كذا إلا أن يشاء الله، سآتيك غداً إلا أن يشاء ربي شيئًا .. وهكذا، الأشياء المستقبلة نقدم فيها أمر المشيئة واستثناء المشيئة الربانية، مع أن الأسباب موجودة، الأسباب كلها في يدي أملكها وأتصرف فيها بفضل الله كما أشاء، ولكن قد يعطلها الله في يدي، قد يمنعني الله عنها، قد يجعلها الله تعصاني، قد يتخلف الأمر الذي عزمت عليه لسبب من الأسباب.
جاء هذا الأمر بصورةٍ عظيمة حيث طبَّقه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم هو الذي لا ينسى ربه، طبق الله عليه هذا الأمر وهذا التعليم تطبيقاً عملياً لتفهمه الأمة فهماً واقعياً صحيحاً، فليس ذلك ولا في ذلك ذمٌّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو انتقاصٌ لحقه، ولكن هذا تقديرٌ من الله عليه لتتعلم الأمة، لأتعلم أنا وأنت هذا الدرس العظيم الذي جعله الله أمراً ثابتاً وسنةً ماضيةً في الكون كله.
أراد المشركين حينما رأوا أمر المسلمين قد عظم في مكة واستفحل بالنسبة لنظرتهم، أرادوا شيئاً يسألون عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعرفه فيوقعونه في حرج أمام أصحابه، إذاً نبيكم لا يعلم فكيف يكون نبيّاً، لو كان نبيّاً لأجابنا على أسئلتنا، ولكي يأتوا بأسئلة دقيقة وعرةٍ هم لا يستطيعون، فهم جهلة، ذهبوا إلى اليهود باعتبارهم أسبق في التعامل مع الأنبياء وأكثر منازعةً للأنبياء فيما أوحى الله به إليهم، حرَّفوا الكتب وقتلوا الرسل فمثلهم عندهم بالتأكيد أسئلةٌ صعبة، فاستوردوا منهم سؤالاً، فأجابتهم اليهود أن اسألوه عن فتيةٍ كانوا في غابر الزمان لهم قصة، وعن رجل طاف المشرق والمغرب، واسألوه عن الروح، صلى الله عليه وسلم.