ثم يقول: {وَكَانَتِ أمرأتي عَاقِراً} [مريم: 5] والعاقر هي التي لا تلد بطبيعتها بداية ، أو صارت عاقراً بسبب بلوغها سِنَّ اليأس مثلاً . ونحن نعلم أن التكاثر والإنجاب في الجنس البشري ينشأ من رجل وامرأة ، وقد سبق أنْ وصفَ زكريا حاله من الضعف والكبر ، ثم يخبر عن زوجته بأنها عاقرٌ لا تلد ، إذن: فأسباب الإنجاب جميعها مُعطلَّة .
وقوله: {وَكَانَتِ أمرأتي عَاقِراً} [مريم: 5] أي: هي بطبيعتها عاقر ، وهذا أمر مصاحب لها ليس طارئاً عليها ، فلم يسبق لها الإنجاب قبل ذلك .
ثم يقول: {فَهَبْ لِي} [مريم: 5] والهِبَة هي العطاء بلا مقابل ، فالأسباب هنا مُعطَّلة ، والمقدمات تقول: لا يوجد إنجاب ؛ لذلك لم يقُلْ مثلاً: أعطني ؛ لأن العطاء قد يكون عن مقابل ، أما في هذه الحالة فالعطاء بلا مقابل وبلا مقدمات ، فكأنه قال: يارب إنْ كنتَ ستعطيني الولد فهو هِبَة منك لا أملك أسبابها ؛ لذلك قال في آية أخرى عن إبراهيم عليه السلام: {الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [إبراهيم: 39] .
ولنا وَقْفة ومَلْحظ في قوله تعالى {عَلَى الكبر} [إبراهيم: 39] حيث قال المفسرون: (على) هنا بمعنى (مع) و (على) ثلاثة أحرف و (مع) حرفان ، فلماذا عدل الحق تبارك وتعالى عن الخفيف إلى الثقيل؟ لا بد أن وراء هذه اللفظ إضافةً جديدة ، وهي أن (مع) تفيد المعية فقط ، أما (على) فتفيد المعية والاستعلاء ، فكأنه قال: إن الكِبَر يا رب يقتضي ألاَّ يوجد الولد ، لكن طلاقة قدرتك أعلى من الكِبَر .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6] كأن الظلم يقتضي أن يُعاقبوا ، لكن رحمة الله بهم ومغفرته لهم عَلَتْ على استحقاق العقاب .