ففاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وهذا تمثيل، والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم، مخيلةً إليه السعي، كسعي ما يكون حيًا من الحيات من أجل سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس .. اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. وقرأ الحسن، وأبو رجاء العطاردي، وأبو عمران الجوني، وأبو الجوزاء: {وعصيهم} بضم العين حيث كان، وهو الأصل؛ لأن الكسر إتباع لحركة الصاد، وحركة الصاد لأجل الياء، وفي كتاب"اللوامح": قرأ الحسن: {وعصيهم} بضم العين، وإسكان الصاد، وتخفيف الياء، مع الرفع، فهو أيضًا جمع كالعامة، لكنه على فعل، وقرأ الزهري، والحسن، وعيسى، وأبو حيوة، وقتادة، والجحدري، وأبو رزين العقيلي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وابن أبي عبلة، وروح، والوليدان، وابن ذكران: {تخيل} بالتاء مبنيًا للمفعول، وفيه ضمير الحبال والعصي، و {أَنَّهَا تَسْعَى} : بدل اشتمال من ذلك الضمير، وقرأ أبو السماك: {تخيل} بفتح التاء, أي: تتخيل، وفيها أيضًا ضمير ما ذكر، و {أَنَّهَا تَسْعَى} بدل اشتمال أيضًا من ذلك الضمير، لكنه فاعل من جهة المعنى، وقرئ: {نخيل} بالنون على أن الله سبحانه هو المخيل لذلك، وقرئ {يخيل} بالياء التحتية، مبنيًا لفاعل على أن المخيل هو الكيد.
67 - {فَأَوْجَسَ} ؛ أي: أحس وأضمر {فِي نَفْسِهِ} ؛ أي: في قلبه {خِيفَةً} ؛ أي: خوفاً، مفعول به {مُوسَى} فاعل أوجس؛ أي: أضمر موسى في قلبه بعض خوف من أن لا يظفر بهم، فيقتلون من آمن به - عليه السلام - .
والمعنى: أضمر موسى في نفسه بعض خوف من مفاجأته، بمقتضى البشرية المجبولة على النفرة من الحيات، والاحتراز عن ضررها المعتاد من اللسع ونحوه، كما دل عليه قوله: {فِي نَفْسِهِ} لأنه من خطرات النفس، لا من القلب، وفي الحقيقة: أن الله تعالى ألبس السحر لباس القهر، فخاف موسى من قهر الله، لا من غيره؛ لأنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الفاسقون. وقيل: خاف أن يُفتن الناس قبل أن يُلقي عصاه، وقيل: إن سبب خوفه هو أن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا،