فهرس الكتاب
وقوله: (اخْتَصَمُوا) ولم يقل: اختصمَا لأنهما جَمعان ليسَا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صَوَابًا، ومثله {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز؛ يذهب إلى الطائفتين.
فالخصمان -مؤمنون هم: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وكافرون هم: ابنا ربيعة: شيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة- كلُّ فريق منهم به أكثر من واحد؛ لذا جاءت (اختصموا) مفيدةً الجمعَ لهذا المعنى.
ثانيًا: الاثنان قد يعاملان معاملة الجميع.
فإذا اعتبرنا أن (الخصمان) مثنى لفظًا؛ فإن العرب تجيز أن يصيرا كالجمع.
قال سيبويه: وسألتُ الخليل -رحمه اللَّه- عن: ما أحسنَ وجوهَهما؟ فقال: لأن الاثنين جميعٌ، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا ذاك، ولكنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يكون منفردًا وبين ما يكون شيئًا من شيء، وقد جعلوا المفردين أيضًا جميعًا.
قول اللَّه -عز وجل- {اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} قد جاء بلفظ العدد الذي فوق الاثنين وكان مثل
ذلك مما تقوله العرب: التقى العسكران فقتل بعضهم بعضًا.
ثالثًا: لفظة (خصم) هي مصدر (2) يوصف به الجمع والواحد، ويدل على أنه أراد الجمع قوله: (اختصموا) فإنها قراءة الجمهور.
والوصف الذي كان في الأصل مصدرًا نحو: صوم وغور.
فيجوز أن يعتبر الأصل فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ قال اللَّه تعالى: {حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) } (الذاريات: 24) ، وقال: {نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) } (ص: 21) .
قال أبو العباس -ثعلب-: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} ، قال: كان الخصمان واسطة القلادة من الفئتين يوم بدر، والخصم يكون واحدًا ويكون جمعًا. سمى المخاصم خصما، واستعمل للواحد والجمع وربما ثني.
وقد يكون الخَصم للاثنين والجمع والمُؤنث.
وقد قيل: اختصموا، وقد قال: خصمان؛ لأنهما جمعان.
فلمراعاة تثنية اللفظ في الآية {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى، ولمراعاة العدد أتي بضمير الجماعة.
-آية الشعراء: