وما ألطف ما قال الزبير الكلائيّ: رأيت غلبة فارس الرومَ ، ثم رأيت غلبة الروم فارسَ ، ثم رأيت غلبة المسلمين فارسَ والرومَ ، كل ذلك في خمس عشرة سنة - من أواخر غلبة فارس إلى أوائل غلبة المسلمين - والأرض ، كما قال الزمخشري: أرض العرب ؛ لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم . والمعنى: غلبوا في أدنى أرض العرب أي: أقربها منهم ، وهي أطراف الشام: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْل} أي: من قبل غلبة فارس على الروم: {وَمِن بَعْدُ} أي: من بعد غلبة الروم على فارس . ويقال: لله العلم والقدرة والمشيئة من قبل إبداء الخلق ، ومن بعد إفناء الخلق ، والمعنى: أن كلاً من كونهم مغلوبين أولاً ، وغالبين آخراً ، ليس إلا بأمره وقضائه ، وعلمه ومشيئته ، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عِمْرَان: 140] .
{وَيَوْمَئِذٍ} أي: يوم إذ يغلب الروم على فارس ، ويحل ما وعده الله تعالى من غلبتهم {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} أي: تغليبه من له كتاب على من لا كتاب له ، وغيظ من شمت بهم من كفار مكة . ويقال: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين: {يَنصُرُ مَن يَشَاء} أي: من عباده على عدوه: {وَهُوَ الْعَزِيزُ} أي: القاهر الغالب على أمره ، لا يعجزه من شاء نصره: {الرَّحِيمُ} أي: من نصره وتغليبه من يشاء: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أي: بحكمته تعالى ، في كونه وأفعاله المحكمة ، الجارية على وفق العدل ، لجهلهم وعدم تفكرهم .
{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وهو ما يوافق شهواتهم وأهواءهم: {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ} أي: التي هي المطلب الأعلى: {هُمْ غَافِلُونَ} أي: لا يُخطرونها ببالهم ، فهم جاهلون بها تاركون لعملها .
[لطائف]