فهرس الكتاب
ومن لطائف ونكات تأويل مشكل القرآن للدينوري
(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)
أصل الظلم في كلام العرب: وضع الشيء في غير موضعه.
ويقال: (من أشبه أباه فما ظلم) ، أي: فما وضع الشّبه غير موضعه.
وظلم السّقاء: هو أن يشرب قبل إدراكه.
وظلم الجزور: أن يعتبط، أي ينحر، من غير علّة.
وأرض مظلومة: أي حفرت وليست موضع حفر.
ويقال: (الزم الطريق ولا تظلمه، أي: لا تعدل عنه.
ثم قد يصير الظلم بمعنى الشّرك، لأنّ من جعل لله شريكا: فقد وضع الرّبوبيّة غير موضعها. يقول الله سبحانه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [سورة لقمان: 13] ، وقال: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) [سورة الأنعام: 82] ، أي: بشرك.
ويكون الظلم: النّقصان، قال الله تعالى: (وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [سورة البقرة: 57] أي ما نقصونا.
وقال: (آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) [سورة الكهف: 33] أي لم تنقص منه شيئا. ومنه يقال: ظلمتك حقّك، أي: نقصتك.
ومنه قوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) [سورة مريم: 60] و (لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) [سورة يس: 54] .
ويكون الظلم: الجحد، قال الله تعالى: (وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها) [سورة الإسراء: 59] أي: جحدوا بأنّها من الله تعالى.
وقال: (بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) [سورة الأعراف: 9] ، أي يجحدون.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(31)
وقولهم: وأين قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ) من قوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) ؟
ولم يرد الله في هذا الموضع معنى الصبر والشكر خاصة، وإنما أراد: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن. والصبر والشكر أفضل ما في المؤمن من خلال الخير، فذكره الله عز وجل في هذا الموضع بأفضل صفاته. وقال في موضع آخر: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(77) [سورة الحجر: 77] . وفي موضع آخر: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [سورة النحل: 69] و (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [سورة النحل: 67] و (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) [سورة الرعد: 19] يعني المؤمنين. انتهى انتهى {تأويل مشكل القرآن، للدينوري} ...