قال القرطبي: والآية نزلت في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك .. » .
وقوله - تعالى -: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ تصوير وتفصيل للمثل، والاستفهام للإنكار والنفي. ومِنْ الأولى للتبعيض، والثانية لتأكيد النفي، وقوله شُرَكاءَ مبتدأ، وخبره لَكُمْ وقوله: مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ متعلق بمحذوف حال من شركاء.
وقوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ جواب للاستفهام الذي هو بمعنى النفي. والجملة مبتدأ
وخبر. وقوله: تَخافُونَهُمْ خبر ثان لأنتم، وقوله: كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ صفة لمصدر محذوف، أي: تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم.
والمعنى: ضرب الله - تعالى - لكم - أيها الناس - مثلا منتزعا من أنفسكم التي هي أقرب شيء إليكم، وبيان هذا المثل: أنكم لا ترضون أن يشارككم في أموالكم التي رزقناكم إياها، عبيدكم وإماؤكم، مع أنهم مثلكم في البشرية، ونحن الذين خلقناهم كما خلقناكم، بل إنكم لتخافون على أموالكم منهم، أن يشاركوكم فيها، كما تخافون عليها من الأحرار المشابهين لكم في الحرية وفي جواز التصرف في تلك الأموال. فإذا كان هذا شأنكم مع عبيدكم - الذين هم مثلكم في البشرية، والذين لم تخلقوهم بل نحن الذين خلقناكم وخلقناهم - فكيف أجزتم لأنفسكم أن تشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى في العبادة، مع أنه - سبحانه - هو الخالق لكم ولهم، والرازق لكم ولهم؟!!.
إن تصرفكم هذا ظاهر التناقض والبطلان، لأنكم لم ترضوا أن يشارككم غيركم في أموالكم، ورضيتم أن تشركوا مع الله - تعالى -: غيره في العبادة، مع أنه - سبحانه - هو الخالق والرازق لكل شيء.
فالمقصود من الآية الكريمة، إبطال الشرك بأبلغ أسلوب، وأوضح بيان، وأصدق حجة، وأقوى دليل.
ولذا ختمها - سبحانه - بقوله: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: مثل ذلك التفصيل الجلى الواضح، نفصل الآيات الدالة على وحدانيتنا، لقوم يعقلون هذه الأمثال، وينتفعون بها في إخلاص العبادة لله الواحد القهار.