فتضمنت هذه الآية سعة علمه ورحمته وحكمه ومغفرته، وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة كما يقرن بين العلم والحلم فمن الأول قوله: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً}
ومن الثاني: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}
فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم ومن رحمة إلى علم
وحملة العرش أربعة اثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم لأن العفو إنما يحسن عند القدرة وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسنان مع العلم، وقدم (الرحيم) في هذا الموضع لتقدم صفة العلم، فحسن ذكر (الرحيم) بعده ليقترن به فيطابق قوله {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} .
ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمنها دفع الشر، وتضمن ما قبلها جلب الخير.
ولما كان دفع الشر مقدما على جلب الخير قدم اسم الغفور على الرحيم حيث وقع، ولما كان في هذا الموضع تعارض يقتضي تقديم اسمه الرحيم لأجل ما قبله قدم على الغفور.
(فائدة: في إفراد السماء وجمعها)
قوله تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [يونس: 61]
بخلاف قوله في سبأ: {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} فإن قبلها ذكر سبحانه سعة ملكه ومحله وهو السماوات كلها والأرض، ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...