وَالثَّانِي: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التكبر الْقَاسِيَ قَدْ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ عَلَى إِيذَاءِ النَّاسِ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُقِرًّا بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ صَارَ خَوْفُهُ مِنَ الْحِسَابِ مَانِعًا لَهُ مِنَ الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ تَكَبُّرِهِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ الْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ كَانَتِ الطَّبِيعَةُ دَاعِيَةً لَهُ إِلَى الْإِيذَاءِ وَالْمَانِعُ وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ السُّؤَالِ وَالْحِسَابِ زَائِلًا، وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ مِنَ السُّؤَالِ وَالْحِسَابِ زَائِلًا فَلَا جَرَمَ تَحْصُلُ الْقَسْوَةُ وَالْإِيذَاءُ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا قَالَ: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى) قَالَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ (وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) فَقَالَ مُوسَى إِنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يَا فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ هُوَ الدِّينُ الْمُبِينُ وَالْحَقُّ الْمُنِيرُ، وَأَنَا أَدْعُو رَبِّي وَأَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْفَعَ شَرَّكَ عَنِّي، وَسَتَرَى أَنَّ رَبِّي كَيْفَ يَقْهَرُكَ، وَكَيْفَ يُسَلِّطُنِي عَلَيْكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَحَاطَ عَقْلَهُ بِهَذِهِ الْفَوَائِدِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ أَصْلَحَ وَلَا أَصْوَبَ فِي دَفْعِ كَيْدِ الْأَعْدَاءِ وَإِبْطَالِ مَكْرِهِمْ إِلَّا الِاسْتِعَاذَةَ بِاللَّهِ والرجوع إلى حفظ الله، والله أعلم.
(وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ(28)
فإن قيل: كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُمْ لِأَنَّ الَّذِي يُصِيبُ فِي بَعْضِ مَا يَعِدُ دُونَ الْبَعْضِ هُمْ أَصْحَابُ الْكَهَانَةِ وَالنُّجُومِ، أَمَّا الرَّسُولُ الصَّادِقُ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي كُلِّ مَا يَقُولُ فَكَانَ قَوْلُهُ (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) غَيْرَ لَائِقٍ بِهَذَا الْمَقَامِ؟
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: