وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي مَعْنَى الْمُسْرِفِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ سَفَّاكُو الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} قَالَ: «سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُسْرِفِينَ، فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ» .
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِسْرَافِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا اخْتَرْنَا، لِأَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إِنَّمَا قَصَدَ فِرْعَوْنُ بِهِ لِكُفْرِهِ، وَمَا كَانَ هُمْ بِهِ مِنْ قَتْلِ مُوسَى، وَكَانَ فِرْعَوْنُ عَالِيًا عَاتِيًا فِي كُفْرِهِ، سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ الَّتِي كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ سَفْكُهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْإِسْرَافِ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْمُؤْمِنِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: فَسَتَذْكُرُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ إِذَا عَايَنْتُمْ عِقَابَ اللَّهِ قَدْ حَلَّ بِكُمْ، وَلَقَيْتُمْ مَا لَقِيتُمُوهُ صَدَقَ مَا أَقُولُ، وَحَقِيقَةُ مَا أَخْبَرَكُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ
وَقَوْلُهُ: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ}
يَقُولُ: وَأُسَلِّمُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، وَأَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ الْكَافِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}
يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأُمُورِ عِبَادِهِ، وَمَنِ الْمُطِيعُ مِنْهُمْ، وَالْعَاصِي لَهُ، وَالْمُسْتَحِقُّ جَمِيلَ الثَّوَابِ، وَالْمُسْتَوْجِبُ سَيِّئَ الْعِقَابِ
وَقَوْلُهُ: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا}