فهرس الكتاب
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] .
ففي الأوامر احرص على ألاَّ تتعدَّاها وفي النواهي لا يقول لك: لا تفعلها بل لا تقربها، لا تقترب منها ولا من الأسباب المؤدية إليها لأنه مَنْ حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولا بدَّ للمؤمن أن يحترم هذا الاحتياط من ربه، لأنه سبحانه خالقه، وأعلم به من نفسه.
والرجل المؤمن حينما يُذيل موعظته للقوم بقوله {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 43] كأنه يريد أنْ يُعرِّض بفرعون الذي بلغ القمة في الإسراف على نفسه، لأن قضية الإسراف في الدين أنك قد لا تسمع لنداء الحق وتلغي أوامره وتعرض عن نواهيه، قد تلغي الإيمان بالله كلية، لكن هذا الطاغية زاد على هذا كله حيث ادَّعى هو الألوهية، وقال لقومه:
{فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24] وأيُّ إسراف بعد هذا؟
{فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}
قوله {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ} [غافر: 44] يعني: إنْ كنتم تكذبونني الآن وأنا أريد أنْ أُخرجكم ممَّا تعودتم عليه من عبوديتكم لفرعون فسوف تذكرون ما أقوله لكم من النصح؛ والمراد تذكرونه في الدنيا أو تذكرونه في الآخرة {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} [غافر: 44] أي: أردّ أمري إليه سبحانه فهو وليِّي.
وكأنه استشعر أن هذا الكلام الذي قاله سيُغضب فرعون، ولا بدَّ أنه سيُبيِّت له لينتقم منه دون مجابهة أو مواجهة حتى لا يُؤلب عليه القوم، فقال {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} [غافر: 44] ؟
يعني: إنْ كنتَ قد بُليتَ بأمر نتيجة ما أفضت فيه من شرح منهج الله والدفاع عن نبيه موسى والاستماع إلى المنهج الحق والسير عليه، فأرجو أنْ يعطيني من العمل ما ينفعني في الآخرة {إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد} [غافر: 44] فكانت نتيجة تفويض أمره لله:
{فَوقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ...} .
{فَوقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} * {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}