فقد تدعو أنت لنفسك بشرٍّ تحسبه خيراً، ومن رحمة الله بك ألاّ يستجيب لك، لذلك قلنا في الثناء على الله تعالى: سبحانك يا مَنْ تُصوِّب خطأ الداعين بألاَّ تستجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكم يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير.
وقلنا في ذلك: ما حال المرأة التي نسمعها تدعو على ولدها تقول: إلهي أشرب نارك؟ فمن رحمة الله بها ألاَّ يستجيب لها، إذن في المنع هنا عطاء.
لكم لماذا {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] أي: منكسرين صاغرين أذلاء، قالوا: لأنك لا تدعو واحداً إلا إذا كنتَ مطيعاً له، لأن الدعاء والعبادة متساويان، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"كل أمر لا يُبدأ باسم الله فهو أبتر"يعني: لا بركة فيه.
وعلمنا أن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني: أنا أبدأ عملي ببسم الله لكي تكون يد الله معي في الفعل، فما معنى (الرحمن الرحيم) هنا؟
قالوا: ربما كانت عاصياً فأذكر له سبحانه صفة الرحمة، لأنه سبحانه لا يتخلَّى عن عبده حتى لو كان عاصياً، فهؤلاء سيدخلون النار داخرين أذلاء لأنهم استنكفوا أنْ يدعو الله واستكبروا عن عبادته، فالنار جزاء الاستكبار.
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}
الحق سبحانه يذكر هنا آيتين من آياته الكونية هما آية الليل وآية النهار، الليل نعلمه وهو من مغيب الشمس إلى شروقها، والنهار نعلمه وهو من شروق الشمس إلى غروبها، هذا زمن والزمن وعاء الأحداث، وما دام الزمن وعاءَ الأحداث فلكلِّ حدث زمنٌ يقع فيه.
فالحدث الذي يحتاج عملاً له وقت، فحين تعمل بالنهار تتعب جوارحك وتحتاج إلى وقت للراحة، فجعل لك الخالق سبحانه الليل تستريح فيه والنهار تعمل فيه، تستريح بالليل لتستعيد قوتك ونشاطك للعمل في النهار التالي، وهكذا.
فإنْ طرأتْ عليك ظروف منعتْك من راحة الليل، فكيف تكون بالنهار؟ تكون متعباً لا توجد لك قوة تعالج بها شيئاً، فكأن الله تعالى يريد أنْ يُعلِّمنا أن من خلقه متقابلات، ومن حُمْق البشر أنْ جعلوها متعاديات، وهي في الحقيقة متكاملات.
واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى:
{وَالْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 1 - 4] .