{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} فالمراد به قربه إليه بالملائكة ، وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف ، قالوا: ملك الموت أدنى إليه من أهله ، ولكن لا تبصرون الملائكة . وقد قال طائفة {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} بالعلم ، وقال بعضهم: بالعلم والقدرة والرؤية . وهذه الأقوال ضعيفة ، فإنه ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عامٍّ من كل موجود ؛ حتى يحتاجوا أن يقولوا: بالعلم والقدرة ، ولكن بعض الناس لمَّا ظنوا أنه يوصف بالقرب من كل شيء ، تأولوا ذلك بأنه عالم بكل شيء قادر على كل شيء ، وكأنهم ظنوا أن لفظ القرب مثل لفظ المعية . وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا في الآية {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] : هو معهم بعلمه مع علوِّه على عرشه . وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين ، لم يخالفهم فيه أحد .
ثم قال: ولم يأت في لفظ القرب مثل ذلك أنه قال: هو فوق عرشه ، وهو قريب من كل شيء ، بل قال:
{إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] ، وقال:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] .
وقد روى ابن أبي حاتم بسنده أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! أقريب ربُّنا فنناجيه ، أم بعيدٌ فنناديه ؟ ( فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ) ، فأنزل الله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية . ولا يقال في هذا: قريب بعلمه وقدرته ، فإنه عالم بكل شيء ، قادر على كل شيء ، وهم لم يشكّوا في ذلك ولم يسألوا عنه ، وإنما عن قُربِه إلى مَن يدعوه ويناجيه ، فأخبر أنه قريب مجيب .