{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ} أي: شدَّتُه المحيِّرة الشاغلة للحواس ، المذهلة للعقل {بِالْحَقِّ} أي: بالموعود الحق والأمرِ المحقَّق ، وهو الموت ؛ فالباء للملابسة . أو بالموعود الحق من أمر الآخرة ، والثواب والعقاب الذي غفل عنه ، فالباء للتعدية ، أي: أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر ، وهي أحوالها الباطنة ، وأظهرتها عليه .
قال الشهاب: السكرة استعيرت للشدة ، ووجه الشبه بينهما أن كلاً منهما مذهِب للعقل ، فالاستعارة تصريحية تحقيقية . ويجوز أن يشبه الموت بالشراب على طريق الاستعارة المكنية . وإثبات السكرة لها تخييل .
{ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي: تَفرّ . والجملة على تقدير القول ، أي: يقال له وقت الموت: ذلك الأمر الذي رأيته هو الذي كنت منه تحيد في حياتك ، فلم ينفعك الهرب والفرار .
وهل المشار إليه بذلك ، الحق أو الموت ؟ قال الطيبي: إن اتصل قوله:
{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ} إلخ ، بقوله: {فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} وما معه ، فالمشار إليه بذلك الحق ، والخطاب للفاجر ، أي: جاءك أيها الفاجر الحقُّ الذي أنكرته ، وإن اتصل بقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ} إلخ ، فالمشار إليه الموت ، والالتفات لا يفارق الوجهين ، والثاني هو المناسب ، لقوله:
{وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} بعده ، وتفصيله {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} [ق: 24] ، {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [ق: 31] انتهى .
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [20 - 21] .
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} يعني: نفخة البعث {ذَلِكَ} أي: النفخ {يَوْمُ الْوَعِيدِ} أي: وقت تحقق الوعيد بشهود ما قدّم من الأعمال وما أخَّر .