{وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} قال ابن جرير: أي: سائق يسوقها إلى الله ، وشاهد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شر . وهل هما ملكان ، أو ملك جامع للوصفين ، أو الأول ملك ، والثاني الإنسان نفسه يشهد على نفسه ، أو سائق من أعمالها ، إلى مكان جزائها ، وشهيد من أجزائها ؟ أقوال: وقال القاشاني: أي: سائق من عمله ، وشهيد من عمله ؛ لأن كل أحد ينجذب إلى محل نظره ، وما اختاره بعمله . والميل الذي يسوقه إلى ذلك الشيء إنما نشأ من شعوره بذلك الشيء وحكمه بملائمته له ، سواء كان أمراً سفلياً جسمانياً بعثه عليه هواه وأغراه عليه وهمُه وقوَّاه ، أو أمراً عُلوياً روحانياً بعثه عليه عقله ومحبَّتُه الروحانية وحرَّضه عليه قلبُه وفطرته الأصلية . فالعلم الغالب عليه سائقه إلى معلومه ، وشاهده بالميل الغالب عليه ، والحبُّ الراسخ فيه
والعمل المكتوب في صحيفته يشهد عليه بظهوره على صور أعضائه وجوارحه ، وينطق عليه كتابه بالحق ، وجوارحه بهيئات أعضائه المتشكلة بأعماله . انتهى .
{لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [22] .
{لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} في المخاطب بهذا ، أقوالُ ثلاثة:
أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، أتى بهذه الجملة معترضة في خلال النبأ الأُخروي ، تنويهاً بمِنَّة الإعلام بذلك ، والتعريف به ، ثم شدة نفوذ البصر به والوقوف على غوامضه بعد خلوِّ الذهن عنه رأساً . والمعنى: لقد كنت في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك ، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك ؛ فبصرك اليوم حديدٌ نافذ قوي ، ترَى مالا يَرون ، وتعلم مالا يعلمون . ومثله آية {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52] .