وأما الموضع الذي قال فيه: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) } فهذا في الكلام عن أصحاب اليمين، والكثرة فيهم ظاهرة لوفرة أصحاب اليمين في أواخرهم دون السابقين؛ فلذلك فرق بين الثلتين في السابقين، وسوى بينهما في أصحاب اليمين.
الثاني: قد وصف الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) } والذين لهم أعلى المنازل في الجنة أنهم ثلة من الأولين أي: كثيرون؛ لأن الأولين قد عاصروا
النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت درجات إيمانهم من أقوى الدرجات، وقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) } لأن الأجيال المتأخرة لا يمكن مقارنة إيمانهم بمن عاصروا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم وإن اجتهد بعض المتأخرين اجتهاد الأولين، فإنهم عدد قليل، وأما في أصحاب اليمين فكثير من يجتهد ليصل لهذه الدرجة لذلك قال: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) } .
الوجه الثالث: إثبات الأفضلية للأولين على الآخرين.
فعن عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"خَيْرُ النَّاس قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينه، وَيَمِينه شَهَادَتَهُ".
قَالَ إِبْرَاهِيمُ (الراوي عن عبيدة) : وَكانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ.
قال ابن حجر: وَقَالَ أَبو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ: مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ النَّهْيُ عَنْ مُبَادَرَةِ الرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ بِالله وَعَلَى عَهْدِ الله لَقَدْ كَانَ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَضْرِبونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصيرَ لهمْ بِهِ عَادَةٌ فَيَحْلِفُوا فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ.