والمعنى: هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين. فدبَّرهنَّ وما فيهن في ستة أطوار مختلفات، ثم استوى على عرشه، فارتفع عليه ارتفاعًا يليق بجنابه لا نكيفه ولا نمثله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
{يَعْلَمُ} سبحانه {مَا يَلِجُ} ويدخل {فِي الْأَرْضِ} كالكنوز، والدفائن والموتى، والبذور، وكالغيث ينفذ في موضع وينبع في الآخر. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} ؛ أي: من الأرض كالجواهر من الذهب، والفضة، والنحاس، وغيرها، والزروع، والحيوانات، والماء، وكالكنوز والموتى يوم القيامة. {وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ} كالكتب، والملائكة، والأقضية، والصواعق، والأمطار، والثلوج. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} ؛ أي: وما يصعد إليها كالملائكة الذين يكتبون الأعمال، والدعوات، والأعمال، والأرواح السعيدة، والأبخرة، والأدخنة. وقد تقدم تفسيره مستوفى في سورة الأعراف، وفي غيرها.
{وَهُوَ} سبحانه {مَعَكُمْ} بقدرته، وعلمه، وسلطانه {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} ؛ أي: في أي مكان كنتم فيه من الأرض من برّ وبحر. وهذا تمثيل لإحاطة علمه بهم،
وتصوير لعدم خروجهم عن قبضته أينما داروا. وفي الحديث:"أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان". وقال موسى عله السلام:"أين أجدك يا رب؟ قال: يا موسى إذا قصدت إلي فقد وصلت إلي".
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم عليه ثوابًا وعقابًا، وهو عبارة عن إحاطته بأعمالهم، فتأخيره عن الخلق لما أن المراد: ما يدور عليه الجزاء من العلم التابع للمعلوم، لا لما قيل: من أن الخلق دليل على العلم، فبالخلق يستدل على العلم، والدليل يتقدم على المدلول.
وفي الآية: إيقاظ للغافلين، وتنشيط للمتيقظين، ودلالة لهم على الخشية والحياء من رب العالمين، وإشارة لهم إلى أن أعمالهم محفوظة، وأنهم مجزيون بها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. قال بعض الكبار: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ؛ لأنه العامل بكم وفيكم، ولا بد لكل عامل أن يبصر عمله، وما يتعلق به.