النِّعْمَةُ لِينُ الْعَيْشِ وَخَفْضُهُ. وَالْهَمْزَةُ فِي: أَنْعَمَ"لِجَعْلِ الشَّيْءِ صَاحِبَ مَا صُنِعَ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ ضَمِنَ مَعْنَى التَّفْضِيلِ فَعُدِّيَ بِعَلَى. وَأَصْلُهُ التَّعَدِّيَةُ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا أَحَدُ الْمَعَانِي الَّتِي لِأَفْعَلَ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مَعْنًى."
{عَلَيْهِمْ} (عَلَى) حَرْفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ إلَّا إذَا جُرَّتْ بِمِنْ. وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا إذَا جُرَّتْ ظَرْفٌ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ، وَالْجُمْهُورُ بِكَسْرِهَا وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَابْنُ كَثِيرٍ وقالون بِخِلَافٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ بِوَاوٍ بَعْدَهَا.
وَمِنْ غَرِيبِ الْمَنْقُولِ أَنَّ الصِّرَاطَ الثَّانِيَ لَيْسَ الْأَوَّلَ. وَكَأَنَّهُ نَوَى فِيهِ حَرْفَ الْعَطْفِ وَفِي تَعْيِينِ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، قِيلَ هُوَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَالْفَهْمُ عَنْهُ وَقِيلَ الْتِزَامُ الْفَرَائِضِ وَاتِّبَاعُ السُّنَنِ. وَقِيلَ مُوَافَقَةُ الْبَاطِنِ لِلظَّاهِرِ.
وَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ هُنَا الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُمَّةُ مُوسَى وَعِيسَى الَّذِينَ لَمْ يُغَيِّرُوا أَوَامِرَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، أَوْ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ قَالَهُ الْجُمْهُورُ؛ أَوْ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْإِنْعَامَ لِيَذْهَبَ الذِّهْنُ كُلَّ مَذْهَبٍ وَاخْتُلِفَ هَلْ لِلَّهِ عَلَى الْكُفْرِ نِعْمَةٌ؟ فَأَثْبَتَهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَنَفَاهَا غَيْرُهُمْ. وَبِنَاءُ أَنْعَمْتَ لِلْفَاعِلِ اسْتِعْطَافٌ لِقَبُولِ التَّوَسُّلِ بِالدُّعَاءِ فِي الْهِدَايَةِ وَانْقِلَابُ أَلْفِ"عَلَى"مَعَ الْمُضْمَرِ هِيَ اللُّغَةُ الشُّهْرَى.
{غَيْرِ} وَصْفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وَبَدَلٌ مِنْ الَّذِينَ عِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ، وَمِنْ الضَّمِيرِ عِنْدَ قَوْمٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَةِ الْمُطْلَقَةِ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ وَبَيْنَ السَّلَامَةِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَالضَّلَالِ.
وَأَصْلُ"غَيْرِ"الْوَصْفُ وَيُسْتَثْنَى بِهِ وَلَا يَتَعَرَّفُ. وَمَذْهَبُ ابْنِ السَّرَّاجِ إذَا كَانَ الْمُغَايَرُ وَاحِدًا تَعَرَّفَ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ.
وَتَقَدَّمَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَا إضَافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ قَدْ يُقْصَدُ بِهَا التَّعْرِيفُ فَتَصِيرُ مَحْضَةً فَتَتَعَرَّفُ إذْ ذَاكَ"غَيْرُ"بِمَا تُضَافُ إلَيْهِ إذَا كَانَ مَعْرِفَةً. وَاعْتَذَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ الْوَصْفِ بِغَيْرِ بِأَنَّ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ لَا تَوْقِيتَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ"وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي"وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تُنْعَتُ إلَّا بِالْمَعْرِفَةِ وَبِأَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ خِلَافُ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ فِي غَيْرِ إذْنِ الْإِبْهَامِ الَّذِي يَأْبَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَرَّفَ.
وَ"لَا"فِي {وَلا الضَّالِّينَ} لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي فِي غَيْرِ، وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ بِتَرْكِهَا عَطْفُ الضَّالِّينَ عَلَى الَّذِينَ. وَالْغَضَبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنْ الْعَاصِي.
وَقِيلَ: إرَادَةُ صُدُورِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُ. فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، أَوْ إحْلَالِ الْعُقُوبَةِ بِهِ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ. وَقَدَّمَ الْغَضَبَ عَلَى الضَّلَالِ وَإِنْ كَانَ الْغَضَبُ مِنْ نَتِيجَةِ الضَّلَالِ لِمُجَاوَرَةِ الْإِنْعَامِ. لِأَنَّ الْإِنْعَامَ مُقَابَلٌ بِالِانْتِقَامِ فَبَيْنَهُمَا طِبَاقٌ مَعْنَوِيٌّ وَلِيُنَاسِبَ التَّسْجِيعَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.