وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]
فَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الْمَعَاصِيَ لِأَنَّ الصَّائِمَ أَظَلْفُ لِنَفْسِهِ وَأَرْدَعُ لَهَا مِنْ مُوَاقَعَةِ السُّوءِ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» فَفَهِمَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ لِإِضْعَافِ الصَّوْمِ الْبَدَنَ فَتَضْعُفُ الشَّهْوَةُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ زَائِدٌ عَلَيْهِ حَاصِلٌ مَعَهُ وَهُوَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكُونُ حَامِلًا لَهُ عَلَى مَا يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ إمَّا لِبَرَكَةِ الصَّوْمِ وَإِمَّا لِأَنَّ حَقِيقًا عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَكُفَّ فَإِنَّهُ إذَا أُمِرَ بِالْكَفِّ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْمُبَاحَيْنِ فَالْكَفُّ عَنْ الْحَرَامِ أَوْلَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّكَالِيفَ قَدْ تُرَدُّ بِأَشْيَاءٍ وَيُنَبَّهُ بِهَا عَلَى أَشْيَاءَ أُخْرَى بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ، وَقَدْ كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِمَعَارِفَ وَأَحْوَالٍ فِي قُلُوبِهِمْ وَبِأَقْوَالٍ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ وَبِأَعْمَالٍ فِي جَوَارِحِهِمْ وَبِتُرُوكٍ، وَلَيْسَ مَقْصُودًا مِنْ الصَّوْمِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ فِي الْمَنْهِيَّاتِ وَكَمَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْهَا بِالْإِجْمَاعِ بَلْ هُوَ إمْسَاكٌ وَلَعَلَّهُ كَانَ الْمَقْصِدُ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ الْإِمْسَاكَ عَنْ كُلِّ الْمُخَالَفَاتِ لَكِنَّهُ يَشُقُّ فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنَّا وَأَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ وَنَبَّهَ الْعَاقِلَ بِذَلِكَ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ.
وَأَرْشَدنَا إلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَيِّنِ لِمَا نَزَلَ فَيَكُونُ اجْتِنَابُ الْمُفْطِرَاتِ وَاجِبًا وَاجْتِنَابُ الْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِهَا مُفْطِرَةً أَمْ لَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُفْطِرَةً فَاجْتِنَابُهَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ وَاجْتِنَابُ سَائِرِ الْمَعَاصِي وَالْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي لَا تُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ بَابِ كَمَالِ الصَّوْمِ وَتَمَامِهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى بُطْلَانِ الصَّوْمِ بِكُلِّ الْمَعَاصِي وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذَا صُمْت فَلْيَصُمْ سَمْعُك وَبَصَرُك وَلِسَانُك عَنْ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ وَأَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْك وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِك وَيَوْمَ صَوْمِك سَوَاءً. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ إذَا صُمْت فَتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْت. فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الصَّوْمَ يَنْقُصُ بِمُلَابَسَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِهَا وَأَنَّ السَّلَامَةَ عَنْهَا صِفَةٌ فِيهِ وَكَمَالٌ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّنْبِيهِ: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنْ الشَّتْمِ وَالْغِيبَةِ فَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ"يَنْبَغِي"الْمُشْعِرَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنَّ التَّنَزُّهَ مُطْلَقًا عَنْ الْغِيبَةِ وَاجِبٌ وَلَكِنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّنَزُّهَ عَنْ الْغِيبَةِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي الصَّوْمِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ حَصَلَ الْإِثْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ لِلنَّهْيِ الْمُطْلَقِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ لِلتَّحْرِيمِ وَحَصَلَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ النَّدْبِ بِتَنْزِيهِ الصَّوْمِ عَنْ ذَلِكَ وَنَقَصَ الصَّوْمُ بِتِلْكَ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ خَاصَّةٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ صَوْمٌ، وَهِيَ غَيْرُ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَقْصِ الصَّوْمِ بِذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِي الْحَجِّ مِثْلُهُ قَالَ تَعَالَى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَفِي ذَلِكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ سَلَامَةَ الْحَجِّ عَنْ ذَلِكَ كَمَالٌ لَهُ وَتَرْكُ الْكَمَالِ نَقْصٌ فَتَرْكُ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي الْحَجِّ؛ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَأَعْظَمُ مِنْ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ مِنْ تَصْنِيفِهِ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ انْتَخَبْتُهُ لَمَّا كُنْت بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: أَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَغَلَ جَارِحَةً مِنْ جَوَارِحِهِ بِعَمَلٍ مِنْ غَيْرِ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ أَوْ بِفِكْرٍ وَشَغَلَ قَلْبَهُ بِالنَّظَرِ فِي غَيْرِ عَمَلِ الصَّلَاةِ إنَّهُ مَنْقُوصٌ مِنْ ثَوَابِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَاقِدًا جَزَاءً مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ وَكَمَالِهَا.
فَالْمُصَلِّي كَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا إذَا كَانَ يَمْنَعُ قَلْبَهُ وَجَمِيعَ بَدَنِهِ مِنْ غَيْرِ الصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ إلَّا إنْ ثَقُلَ بَدَنُهُ عَلَيْهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ يُنَاجِي الْمَلِكَ الْأَكْبَرَ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمَنْ صَدَّقَ بِذَلِكَ أَنْ يَلْتَفِتَ أَوْ يَغِيبَ أَوْ يَتَفَكَّرَ أَوْ يَتَحَرَّكَ بِغَيْرِ مَا يُحِبُّ الْمُقْبِلُ عَلَيْهِ وَمَا يَقْوَى قَلْبُ عَاقِلٍ لَبِيبٍ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَلْقِ مَنْ لَهُ عِنْدَهُ قَدْرٌ فَيَرَاهُ يُوَلِّي عَنْهُ كَيْفَ وَكُلُّ مُقْبِلٍ سِوَى اللَّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَى ضَمِيرِ مَنْ وَلَّى عَنْهُ بِضَمِيرِهِ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلٌ عَلَى الْمُصَلِّي بِوَجْهِهِ يَرَى إعْرَاضَهُ بِضَمِيرِهِ وَبِكُلِّ جَارِحَةٍ سِوَى صَلَاتِهِ الَّتِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُؤْمِنٍ عَاقِلٍ أَنْ يُخِلَّهَا أَوْ يَلْتَفِتَ أَوْ يَتَشَاغَلَ بِغَيْرِ الْإِقْبَالِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى»
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قِبَلَ وَجْهِ أَحَدِكُمْ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ. وَمِمَّا أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ إلَى وَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْعَبْدَ إذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ بَيْنَ عَيْنَيْ الرَّحْمَنِ فَإِذَا الْتَفَتَ قَالَ لَهُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ ابْنَ آدَمَ أَقْبِلْ إلَيَّ فَإِذَا الْتَفَتَ الثَّانِيَةَ قَالَ لَهُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ ابْنَ آدَمَ أَقْبِلْ إلَيَّ فَإِذَا الْتَفَتَ الثَّالِثَةَ أَوْ الرَّابِعَةَ قَالَ لَهُ الرَّبُّ ابْنَ آدَمَ لَا حَاجَةَ لِي فِيك» سَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
هَذَا كُلُّهُ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الِالْتِفَاتُ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَانْظُرْ نَقْلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَلَى جَلَالَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَقْصِ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَأَكْثَرُهَا لَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذَاهِبِ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الَّذِي حَكَيْنَاهُ إنْكَارَ جَوَازِ الِالْتِفَاتِ وَلَا يُسْتَبْعَدُ مَا قَالَهُ فَمَا قَالَهُ مِنْ الدَّلِيلِ قَوِيٌّ فِيهِ؛ وَحَقِيقٌ بِالْمُسْلِمِ أَنْ يُرَوِّضَ نَفْسَهُ حَتَّى يَصِيرَ كَذَلِكَ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ الْإِجْمَاعِ لَا يُعَارِضُهُ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّهَا كَامِلَةٌ؛ وَهُوَ إنَّمَا نَقْلُ الْإِجْمَاعِ فِي النَّقْصِ وَأَنَّ ذَلِكَ جُزْءٌ مِنْهَا فَقَدْ تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ صَحِيحٌ فِي الْعِبَادَاتِ الثَّلَاثِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَشَوَاهِدِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْفُقَهَاءِ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَفِي الصَّلَاةِ وَالِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ وَنِعْمَ مَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا شَوَاهِدُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْفُقَهَاءِ فَفِي الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ هَذَا جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ مَثَلًا لَوْ قَارَنَهُمَا مَعْصِيَةٌ أَوْ نَحْوُهَا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لَنَا أَنَّ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ إذَا كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُمَا لَا يَتَأَثَّرَانِ بِهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا مِنْ نُصْرَةِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَالْإِثْخَانِ فِي الْأَرْضِ وَسَدِّ خُلَّةِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَتَطْهِيرِ النَّفْسِ وَالْمَالِ حَاصِلٌ لَا أَثَرَ لِتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فِيهِ أَلْبَتَّةَ وَلَا صِفَةَ لَهُمَا مِنْهَا وُجُودًا وَلَا عَدَمًا وَفَاعِلٌ مُمْتَثِلٌ لِجِهَادِهِ وَصَدَقَتِهِ عَاصٍ بِمُخَالَفَتِهِ فِي شَيْءٍ آخَرَ فَيُثَابُ عَلَيْهِمَا ثَوَابًا كَامِلًا وَيَأْثَمُ عَلَى ذَاكَ.
وَأَمَّا هَذِهِ الْعِبَادَاتُ الثَّلَاثُ فَالْعَبْدُ فِيهَا مُنْتَصِبٌ بِقَلْبِهِ وَبَدَنِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ بِأَعْمَالٍ قَاصِرَةٍ عَلَيْهِ وَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا نَفْعٌ لِغَيْرِهِ وَحُقُوقٌ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ أَمَّا الصَّلَاةُ فَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إقْبَالِ الرَّبِّ عَلَيْهِ وَأَنَّ اللَّهَ فِي قِبْلَتِهِ وَمَا أَرْشَدَهُ إلَيْهِ مِنْ الْأَدَبِ فِيهَا، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَبِالْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَسَلْبِهِ الْحَاجَةَ فِي مُجَرَّدِ تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
وَأَمَّا الْحَجُّ فَبِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَسَلْبِهَا الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ وَالْجِدَالَ مِنْ مَاهِيَّةِ الْحَجِّ وَأَنَّ بَدَنَ الْحَاجِّ مُنْتَصِبٌ فِي تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ وَالتَّجَرُّدِ فِيهَا.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ فِي الْعِبَادَاتِ الثَّلَاثِ مُسْتَوْعِبَةٌ لِلْبَدَنِ كُلِّهِ لِمَعَانٍ قَاصِرَةٍ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ مِمَّا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ مَنَافِعَ وَحُقُوقٍ: أَمَّا الْمَنَافِعُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَالِانْتِهَاءُ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فِي الصَّلَاةِ فَقَوْلُ الْمُصَلِّي السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَإِصَابَتُهَا لِكُلِّ صَالِحٍ مِنْ مَلِكٍ وَغَيْرِهِ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَانِ حَقَّانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمُصَلِّي لِغَيْرِهِ.
وَفِي الصَّوْمِ الْكَفُّ عَنْ شَتْمِ الْخَلْقِ وَغِيبَتِهِمْ وَأَذَاهُمْ. وَفِي الْحَجِّ إقَامَةُ مَنَارِ تِلْكَ الشَّعَائِرِ فَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ الْأَغْلَبُ فِيهِمَا حَقُّ الْغَيْرِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ، وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ الْأَغْلَبُ فِيهَا حَقُّ الْمُكَلَّفِ نَفْسِهِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَيَبْقَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَلَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَدْلَلْنَا بِهِمَا أَمَّا الرَّفَثُ فَيُطْلَقُ عَلَى الْجِمَاعِ وَهُوَ مِنْ مُفْطِرَاتِ الصَّوْمِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ حَرَامًا إذَا كَانَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ.
وَقَدْ لَا يَكُونُ حَرَامًا إذَا كَانَ مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ أَوْ عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَهِّي بِهِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ عَنْ الْحَدِّ الْجَائِزِ، وَالصَّخَبُ ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا وَقَدْ لَا يَكُونُ حَرَامًا بِحَسْبِ عَوَارِضِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الزُّورِ وَالْعَمَلُ
بِهِ فَلَا يَخْفَى تَحْرِيمُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» فَيَحْتَاجُ إلَى فَهْمِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا فِي تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا لَا فِيمَنْ تَرَكَ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَلَا فِيمَنْ لَمْ يَتْرُكْ، وَهَذَا أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ وَإِنَّمَا وَجْهُ هَذَا الْكَلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مِمَّا خَطَرَ لِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ عِبَادَهُ بِتَكَالِيفَ تَعُودُ إلَيْهِمْ إمَّا لِحَاجَتِهِمْ إمَّا قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي قَلْبِهِ أَوْ فِي بَدَنِهِ وَإِمَّا مُتَعَدِّيَةٌ إلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْعِبَادِ لِحَاجَتِهِمْ وَاللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ عِبَادَاتِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ تَقْوَانَا أَيْضًا وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِهَا لِحَاجَتِنَا وَحَاجَةِ بَقِيَّةِ الْعِبَادِ إلَيْهَا.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» ، ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى تَلَطَّفَ فِي الْخِطَابِ وَالْأَمْرِ وَتَحْصِيلِ مَصَالِحِنَا فَقَالَ تَعَالَى {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي قَرْضٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْفُقَرَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ - اخْتِبَارًا لَهُمْ هَلْ يَصْبِرُونَ أَوْ لَا وَلِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ خَلْقِهِ هَلْ يَقُومُونَ بِحَقِّهِمْ أَوْ لَا - مُحْتَاجِينَ جَعَلَ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ كَالْقَرْضِ مِنْهُمْ لِيُوَفُّوهُمْ إيَّاهُمْ مِنْ فَضْلِ رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ بَالَغَ فَجَعَلَ ذَلِكَ قَرْضًا لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُك فَلَمْ تُطْعِمْنِي فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَطْعَمَك عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُك فَلَمْ تَسْقِنِي فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ: اسْتَسْقَاك عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ فَلَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي ثُمَّ يَقُولُ: مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَيْف أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: مَرِضَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَعُدْهُ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» .
(فَائِدَةٌ عَارِضَةٌ) قَالَ فِي الْأَوَّلَيْنِ"لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي"وَفِي هَذَا"لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ"لِأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَرُوحُ إلَى أَحَدٍ بَلْ يَأْتِي النَّاسُ إلَيْهِ فَنَاسَبَ أَنْ يَقُولَ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَطْعِمِ وَالْمُسْتَسْقِي فَإِنَّهُمَا قَدْ يَأْتِيَانِ إلَى غَيْرِهِمَا مِنْ النَّاسِ، فَإِذَا عُرِفَ هَذَا ظَهَرَ حُسْنُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» أَيْ أَنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ السِّرِّ فِي الْأَمْرِ بِهِ مِنْ نَفْعٍ يَحْصُلُ فِي قَلْبِ الصَّائِمِ أَوْ فِي بَدَنِهِ أَوْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ لَا حَاجَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ لَا لِلصَّائِمِ لِأَنَّهُ تَعْذِيبُ بَدَنِهِ بِتَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ غَيْرِ نَتِيجَةٍ فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ
غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادِ فَانْتَفَتْ الْحَاجَةُ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِلْعِبَادِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَوَضَعَ اللَّفْظَ مَوْضِعَ اللَّفْظِ لِحَاجَةِ الْخَلْقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رُتْبَةَ الْكَمَالِ فِي الصَّوْمِ قَدْ تَكُونُ بِاقْتِرَانِ طَاعَاتٍ بِهِ مِنْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَاعْتِكَافٍ وَصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِهَا وَقَدْ تَكُونُ بِاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتٍ. فَكُلُّ ذَلِكَ يَزِيدُهُ كَمَالًا وَمَطْلُوبٌ فِيهِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ أَجْوَدُ الثَّانِي بِالرَّفْعِ، بَلْ أَقُولُ: إنَّ الْكِمَالَاتِ فِي الصَّوْمِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ قَدْ تَكُونُ بِزِيَادَةِ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يَتَنَاهَى فَلَيْسَ لِحَدِّ الْكَمَالِ نِهَايَةٌ وَكُلُّ مَا كَانَ كَمَالًا فَفَوَاتُهُ نَقْصٌ لَا سِيَّمَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا ... كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
لَا سِيَّمَا فِي مُخَالَفَةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِالصَّوْمِ مِنْ تَرْكِ مَأْمُورٍ أَوْ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ فَهِيَ نَقْصٌ لَا مَحَالَةَ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى شُرِعَ الِاسْتِغْفَارُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ وَالِاسْتِغْفَارُ بِالْأَسْحَارِ بَعْدَ قِيَامِ اللَّيْلِ وَعَدَمِ الْهُجُوعِ لَيْلًا.
فَأَعْلَى مَرَاتِبِ الصَّوْمِ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَأَنْزَلُهَا مَا لَا يَبْقَى بَعْدَهُ إلَّا الْبُطْلَانُ، وَاَلَّذِي يُثْلِمُ التَّقَوِّي مِنْ ذَلِكَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ مِنْ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ وَدَعْوَى كَوْنِ الصَّغِيرَةِ لَا تُثْلِمُ التَّقْوَى مَمْنُوعَةً فَإِنَّ التَّقْوَى مَرَاتِبُ: إحْدَاهَا تَقْوَى الشِّرْكِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] الْمَعْنَى هُنَا مَنْ اتَّقَى الشِّرْكَ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ اتَّقَى الشِّرْكَ يُتَقَبَّلُ مِنْهُ، الثَّانِيَةُ تَقْوَى الْكَبَائِرِ، الثَّالِثَةُ تَقْوَى الصَّغَائِرِ، وَالرَّابِعَةُ تَقْوَى الشُّبُهَاتِ.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» وَإِذَا كَانَ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَقْوَى فَتَرْكُ الصَّغَائِرِ أَوْلَى فَإِذَا لَمْ يَتْرُكْهَا فَقَدْ انْخَرَمَتْ تَقْوَاهُ وَلَا بُدَّ حِينَ ارْتَكَبَ الصَّغِيرَةَ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مُحَرَّمَةً وَمَعْصِيَةً وَمَذْمُومًا فَاعِلُهَا وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يُكَفِّرُهَا غَيْرُهَا فَلَا رِيبَةَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ تُنَافِي التَّقْوَى إلَّا أَنَّ التَّقْوَى عَلَى مَرَاتِبَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَالتَّقْوَى الْكَامِلَةُ تُنَافِيهَا الصَّغِيرَةُ قَطْعًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَالتَّوْبَةِ أَمَّا بَعْدَ التَّكْفِيرِ وَالتَّوْبَةِ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ.