قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا نَصُّهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ"جَعَلَ"وَ"خَلَقَ"أَنَّ"جَعَلَ"تَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى صَيَّرَ وَتَتَعَدَّى لِمَفْعُولٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنَّ"جَعَلَ"فِيهَا مَعْنَى التَّضْمِينِ وَفِي نُسْخَةٍ"التَّصْيِيرِ"تَقُولُ جَعَلَ كَذَا مِنْ كَذَا.
قَالَ تَعَالَى {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف: 189] قُلْت هَذَا مَعْنًى حَسَنٌ، وَأَزِيدُ فِي تَقْرِيرِهِ أَنَّ"جَعَلَ"يَنْفَكُّ عَنْهَا مَعْنَى التَّصْيِيرِ. وَلَكِنَّ النِّسْبَةَ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِذَا قُلْت جَعَلْت الطِّينَ خَزَفًا فَمَعْنَاهُ صَيَّرْت الطِّينَ خَزَفًا فَأَرَدْت بَيَانَ حَالِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ إلَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ، وَإِذَا أَرَدْت إفَادَةَ الْحَالِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ تَقُولُ جَعَلْت الْخَزَفَ مِنْ الطِّينِ أَيْ صَيَّرْته مِنْهُ. فَالْأَوَّلُ يَتَعَدَّى إلَى الْمَفْعُولَيْنِ. وَالثَّانِي إلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يُفَارِقْ مَعْنَى التَّصْيِيرِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قُلْته إنْ اخْتَصَرْت، تَقُولُ اخْتَصَرَ النَّوَوِيُّ الْمُحَرَّرَ فِي الْمِنْهَاجِ، وَتَقُولُ اخْتَصَرَ الْمِنْهَاجَ مِنْ الْمُحَرَّرِ. فَهَذِهِ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ قَصُرَ كَلَامُ النُّحَاةِ عَنْهَا. وَلَمْ يُفْصِحْ بِهَا الزَّمَخْشَرِيُّ. وَإِنْ كَانَ نَبَّهَ عَلَى أَصْلِ الْمَعْنَى، وَيَجْتَمِعُ مَعَنَا ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ"الْجَعْلُ"وَقَدْ عُرِفَ مَعْنَاهُ وَ"الْخَلْقُ"وَهُوَ أَعَمُّ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص: 71] وَبِدُونِهِ كَقَوْلِهِ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ» وَ"الْإِبْدَاعُ"وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَهُ حَظٌّ مِنْ الْمِسَاحَةِ لِمَا فِي الْخَلْقِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَالْإِبْدَاعُ يَتَعَلَّقُ بِمَا لَا حَظَّ لَهُ فِي الْمِسَاحَةِ، وَهِيَ الْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةُ وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ الْمُجَرَّدَاتِ الْمُمْكِنَاتِ وَهُمْ الْحُكَمَاءُ انْتَهَى.