فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 228

{اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا}[الكهف: 77]

كَتَبَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ صَلَاحُ الدِّينِ الصَّفَدِيُّ إلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:

أَسَيِّدَنَا قَاضِي الْقُضَاةِ وَمَنْ إذَا ... بَدَا وَجْهُهُ اسْتَحْيَا لَهُ الْقَمَرَانِ

وَمَنْ كَفُّهُ يَوْمَ النَّدَى وَيَرَاعُهُ ... عَلَى طِرْسِهِ بَحْرَانِ يَلْتَقِيَانِ

وَمَنْ إنْ دَجَتْ فِي الْمُشْكِلَاتِ مَسَائِلُ ... جَلَاهَا بِفِكْرٍ دَائِمِ اللَّمَعَانِ

رَأَيْت كِتَابَ اللَّهِ أَكْبَرَ مُعْجِزٍ ... لِأَفْضَلَ مَنْ يَهْدِي بِهِ الثَّقَلَانِ

وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِعْجَازِ كَوْنُ اخْتِصَارِهِ ... بِإِيجَازِ أَلْفَاظٍ وَبَسْطِ مَعَانِ

وَلَكِنَّنِي فِي الْكَهْفِ أَبْصَرْت آيَةً ... بِهَا الْكُفْرُ فِي طُولِ الزَّمَانِ عَنَانِي

وَمَا هِيَ إلَّا اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَقَدْ ... يُرَى اسْتَطْعَمَاهُمْ مِثْلَهُ بِبَيَانِ

فَأَرْشِدْ عَلَى عَادَاتِ فَضْلِك حَيْرَتِي ... فَمَالِي بِهَا عِنْدَ الْبَيَانِ يَدَانِ

كَتَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

الْجَوَابُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَوْله تَعَالَى {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} [الكهف: 77] مُتَعَيَّنٌ وَاجِبٌ. وَلَا يَجُوزُ مَكَانَهُ اسْتَطْعَمَاهُمْ لِأَنَّ"اسْتَطْعَمَا"صِفَةٌ لِلْقَرْيَةِ فِي مَحَلِّ خَفْضٍ جَارِيَةٌ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ كَقَوْلِك أَتَيْت أَهْلَ قَرْيَةٍ مُسْتَطْعِمٍ أَهْلَهَا. لَوْ حَذَفْت أَهْلَهَا هُنَا وَجَعَلْت مَكَانَهُ ضَمِيرًا لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ هَذَا. وَلَا يَجُوزُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ إذَا جَعَلْت"اسْتَطْعَمَا"صِفَةً لِقَرْيَةٍ وَجَعْلُهُ صِفَةً لِقَرْيَةٍ سَائِغٌ عَرَبِيٌّ لَا تَرُدُّهُ الصِّنَاعَةُ وَلَا الْمَعْنَى، بَلْ أَقُولُ إنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ.

أَمَّا كَوْنُ الصِّنَاعَةِ لَا تَرُدُّهُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا وَصْفُ نَكِرَةٍ بِجُمْلَةٍ كَمَا تُوصَفُ سَائِرُ النَّكِرَاتِ بِسَائِرِ الْجَمَلِ. وَالتَّرْكِيبُ مُحْتَمِلٌ لِثَلَاثَةِ أَعَارِيبَ أَحَدُهَا هَذَا وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِأَهْلِ. وَالثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ جَوَابَ"إذَا"وَالْأَعَارِيبُ الْمُمْكِنَةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ لَا رَابِعَ لَهَا. وَعَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ"اسْتَطْعَمَاهُمْ"وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَمَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ الْآيَةَ كَمَا تَأَمَّلْنَاهَا ظَنَّ أَنَّ الظَّاهِرَ وَقَعَ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَغَابَ عَنْهُ الْمَقْصُودُ وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ وُفِّقْنَا لِلْمَقْصُودِ وَلَمَحْنَا بِعَيْنِ الْإِعْرَابِ الْأَوَّلَ مِنْ جِهَةِ مَعْنَى الْآيَةِ وَمَقْصُودِهَا.

وَأَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَإِنْ احْتَمَلَهُمَا التَّرْكِيبُ بَعِيدَانِ عَنْ مَعْنَاهَا أَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ كَوْنُهُ جَوَابَ"إذَا"فَلِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ مَعْنَاهَا الْإِخْبَارُ بِاسْتِطْعَامِهِمَا عِنْدَ إتْيَانِهِمَا وَأَنَّ ذَلِكَ تَمَامُ مَعْنَى الْكَلَامِ وَنُجِلُّ مِقْدَارَ مُوسَى وَالْخَضِرِ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - عَنْ تَجْرِيدِ قَصْدِهِمَا إلَى أَنْ يَكُونَ مُعْظَمُهُ أَوْ هُوَ طَلَبُ طُعْمَةٍ؛ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بَلْ كَانَ الْقَصْدُ مَا أَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَ الْيَتِيمَانِ أَشَدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّك وَإِظْهَارَ تِلْكَ الْعَجَائِبِ لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَجَوَابُ"إذَا"قَوْلُهُ {قَالَ لَوْ شِئْتَ} [الكهف: 77] إلَى تَمَامِ الْآيَةِ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ صِفَةً لِأَهْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ فَلَا يُصَيِّرُ الْعِنَايَةَ إلَى شَرْحِ حَالِ الْأَهْلِ مِنْ حَيْثُ هُمْ هُمْ، وَلَا يَكُونُ لِلْقَرْيَةِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ وَنَحْنُ نَجِدُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ مُشِيرًا إلَى الْقَرْيَةِ نَفْسِهَا، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ {فَوَجَدَا فِيهَا} [الكهف: 77] وَلَمْ يَقُلْ"عِنْدَهُمْ"وَإِنَّ الْجِدَارَ الَّذِي قُصِدَ إصْلَاحُهُ وَحِفْظُهُ وَحِفْظُ مَا تَحْتَهُ جُزْءٌ مِنْ قَرْيَةٍ مَذْمُومٍ أَهْلُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ سُوءُ صَنِيعٍ مِنْ الْآبَاءِ عَنْ حَقِّ الضَّيْفِ مَعَ بَيَانِ طَلَبِهِ، وَلِلْبِقَاعِ تَأْثِيرٌ فِي الطِّبَاعِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقَرْيَةُ حَقِيقَةً بِالْإِفْسَادِ وَالْإِضَاعَةِ فَقُوبِلَتْ بِالْإِصْلَاحِ بِمُجَرَّدِ الطَّاعَةِ فَلَمْ يَقْصِدْ إلَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِفِعْلِ الْأَهْلِ الَّذِينَ مِنْهُمْ غَادٍ وَرَائِحُ فَلِذَلِكَ قُلْت: إنَّ الْجُمْلَةَ يَتَعَيَّنُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى جَعْلُهَا صِفَةً لِقَرْيَةٍ.

وَيَجِبُ مَعَهَا الْإِظْهَارُ دُونَ الْإِضْمَارِ، وَيَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ أَنَّ"الْأَهْلَ"الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا هُمْ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُمْ أَوْ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مَنْ أَتَى قَرْيَةً لَا يَجِدُ جُمْلَةَ أَهْلِهَا دَفْعَةً، بَلْ يَقَعُ بَصَرُهُ أَوَّلًا عَلَى بَعْضِهِمْ ثُمَّ قَدْ يَسْتَقْرِيهِمْ فَلَعَلَّ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ الصَّالِحَيْنِ لَمَّا أَتَيَاهَا قَدَّرَ اللَّهُ لَهُمَا كَمَا يَظْهَرُ لَهُمَا مِنْ حُسْنِ صُنْعِهِ اسْتِقْرَاءَ جَمِيعِ أَهْلِهَا عَلَى التَّدْرِيجِ لِيُبَيِّنَ بِهِ كَمَالَ رَحْمَتِهِ وَعَدَمَ مُؤَاخَذَتِهِ بِسُوءِ صَنِيعِ بَعْضِ عِبَادِهِ.

وَلَوْ عَادَ الضَّمِيرُ فَقَالَ اسْتَطْعَمَاهُمْ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَيْنِ لَا غَيْرُ، فَأَتَى بِالظَّاهِرِ إشْعَارًا بِتَأْكِيدِ الْعُمُومِ فِيهِ وَأَنَّهُمَا لَمْ يَتْرُكَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى اسْتَطْعَمَاهُ وَأَبَى وَمَعَ ذَلِكَ قَابَلَاهُمْ بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ فَانْظُرْ هَذِهِ

الْمَعَانِيَ وَالْأَسْرَارَ كَيْفَ غَابَتْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَاحْتَجَبَتْ حَتَّى كَأَنَّهَا تَحْتَ الْأَسْتَارِ حَتَّى ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَتَرَكَ كَثِيرٌ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ رَأْسًا وَبَلَغَنِي عَنْ شَخْصٍ أَنَّهُ قَالَ: اجْتِمَاعُ الضَّمِيرَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مُسْتَثْقَلٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ"اسْتَطْعَمَاهُمْ"هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ النُّحَاةِ وَلَا لَهُ دَلِيلٌ وَالْقُرْآنُ وَالْكَلَامُ الْفَصِيحُ مُمْتَلِئٌ بِخِلَافِهِ.

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ {يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف: 77] وَقَالَ تَعَالَى {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10] وَقَالَ تَعَالَى (حَتَّى إذَا جَاءَنَا) فِي قِرَاءَةِ الْحَرَمِيِّينَ وَابْنِ عَامِرٍ وَأَلْفُ مَوْضِعٍ هَكَذَا.

وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَيْسَ هُوَ قَوْلًا حَتَّى يُحْكَى وَإِنَّمَا لَمَّا قِيلَ نَبَّهْت عَلَى رَدِّهِ وَمِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ أَنَّ (اسْتَطْعَمَا) إذَا جُعِلَ جَوَابًا فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِتْيَانِ؛ وَإِذَا جُعِلَ صِفَةً احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اتُّفِقَ قَبْلَ الْإِتْيَانِ وَذُكِرَ تَعْرِيفًا وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُمَا عَلَى عَدَمِ الْإِتْيَانِ لِقَصْدِ الْخَيْرِ، وَقَوْلُهُ (فَوَجَدَا) مَعْطُوفٌ عَلَى (أَتَيَا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت