فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 228

{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ}[آل عمران: 152]

وَوَقَفْت عَلَى كِتَابِ تُحْفَةِ الْبَرَرَةِ فِي السُّؤَالَاتِ الْعَشَرَةِ تَصْنِيفِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ مَجْدِ الدِّينِ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ يُرِيدُ الدُّنْيَا فَحَسْبُ إذَا أَيْقَظَهُ اللَّهُ مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ وَذَكَّرَهُ حُبَّ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَأَسْمَعَهُ قَوْلَهُ {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 28] تَذَكَّرَ الْمِيثَاقَ وَعَرَفَ الْوَثَاقَ فَظَهَرَ فِي قَلْبِهِ حَسْرَةٌ بِمَا فَرَّطَ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَرُفِعَ إلَى الْحَضْرَةِ وَتَابَ فَتَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ أَحْوَالُ الْأَشْخَاصِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَظْهَرُ فِيهِ طَلَبُ الْآخِرَةِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْقَلْبِ مَعَ بَقَاءِ طَلَبِ الدُّنْيَا وَدَاعِيَةِ الْآخِرَةِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِرَادَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ إرَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَلْ يُقَالُ لَهُ الْمُتَمَنِّي وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَبُ فِي الدَّيْنِ فَإِنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي فَلَا يَهْنَأُ عَيْشُهُ وَلَا يَطِيبُ قَلْبُهُ وَلَا تَسْتَرِيحُ نَفْسُهُ وَأَنَّهُ كُلَّمَا أَقْبَلَ عَلَى الدُّنْيَا نُغِّصَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ تَمَنَّى الْآخِرَةَ وَكُلَّمَا أَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ كُدِّرَ عَلَيْهِ تَمَنَّى الدُّنْيَا سُرْبَتَهُ فَيَبْقَى لَا فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النَّفِيرِ يُرِيدُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَظْهَرُ فِي قَلْبِهِ طَلَبُ الْآخِرَةِ ظُهُورًا يَنْفِي مِنْ قَلْبِهِ سَائِرَ الدَّوَاعِي الْمُخْتَلِفَةِ الظَّاهِرَةِ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ هَمٌّ إلَّا هَمُّ اللَّهِ كَمَا ظَهَرَ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ هَكَذَا دَاعِيَةُ الْحَقِّ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ صَحَّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِرَادَةِ وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَهُ حُسْنُ اسْتِعْدَادِ قَبُولِ تَأْثِيرِ الشَّيْخِ.

وَأَطَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي ذَلِكَ وَالْمَقْصُودُ لَنَا مِنْهُ مَا ذَكَرَ فِي الدَّاعِيَيْنِ وَإِشَارَتُهُ إلَى أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِتَعَارُضِهِمَا كَمَا قُلْنَاهُ، وَفِي قُوتِ الْقُلُوبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْعَمَلُ بِلَا إخْلَاصٍ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ وَمِنْ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَك مِنْ خَيْرٍ» عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فِيهِ وَهُوَ التَّعْلِيلُ أَيْ لِأَجْلِ مَا سَلَفَ لَك مِنْ خَيْرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَعْمَالُ لِمَا فِيهَا مِنْ النَّفْعِ نَفَعَتْ صَاحِبَهَا مَعَ الْكُفْرِ حَتَّى أَنْقَذَتْهُ مِنْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَمَا ظَنُّك بِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ مَعَ الْإِسْلَامِ خَالَطَهَا شَوْبٌ يَضْمَحِلُّ بَعْدَ حِينٍ؛ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُبْتَدِئِ أَمَّا الْمُنْتَهِي أَوْ الْمُتَوَسِّطُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يَقَعُ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ بِاللَّهِ مَا يَدْفَعُ عَنْ قَلْبِهِ وَإِنَّمَا الْمُبْتَدِئُ ضَعِيفٌ إنْ مَنَعْنَاهُ عَنْ الْعَمَلِ حَتَّى يُخْلِصَ قَلَّ السَّالِكُونَ وَانْقَطَعَتْ الطَّرِيقُ وَبَقِيَتْ قُلُوبُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ عَلَى كَدَرِهَا وَاسْتَوْلَتْ الشَّيَاطِينُ عَلَيْهَا فَلْيُفْتَحْ لَهُمْ بَابٌ يَدْخُلُونَ فِيهِ

إلَى الْخَيْرِ وَاللَّهُ رَفِيقُهُمْ وَمُعِينُهُمْ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَيُصَفِّيَ السَّرَائِرَ وَيُظْهِرَ مَا أَكْمَنَهُ فِي تِلْكَ الْمَعَادِنِ وَيُخْرِجَ الْخَبِيثَ وَيُنْصِعَ الطَّيِّبَ وَيُتَوَكَّلُ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.

وَقَدْ رَأَيْت أَنْ أَجْمَعَ الْكَلَامَ وَأُلَخِّصَهُ وَأَقُولَ: فِي الْجَوَابِ هُنَا مَسَائِلُ: إحْدَاهَا الْمَقْصُودُ بِالسُّؤَالِ فِيمَنْ تَقَاوَمَ عِنْدَهُ الْبَاعِثُ الدُّنْيَوِيُّ وَالْبَاعِثُ الدِّينِيُّ وَأَرَادَ الْعَمَلَ بِهِمَا وَسِيلَةً إلَى ظُهُورِ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ وَعُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ فَيَسْتَحِيلُ مَعَهَا الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ فَجَوَابِي لِهَذَا الْمُسْتَرْشِدِ نَفَعَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي دَفْعِ الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْمُورٌ بِالثَّلَاثَةِ، وَمَحَلُّ هَذَا الْكَلَامِ فِي نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَنَحْوِهِ أَمَّا السُّنَنُ الَّتِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى خُصُوصَاتِهَا فَهِيَ آكَدُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ تَرْكِهَا وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَأَعْظَمُ وَتَرْكُهَا يَحْرُمُ صَلَاةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا حَتَّى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ.

فَهَذَا جَوَابِي لِمَنْ قَصَدَ تَقْلِيدِي فِي الْعَمَلِ بِمَا أَقُولُهُ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لِي وَلَهُ، وَلَوْ فُقِدَ الرَّابِعُ وَهُوَ عِلْمُ عَادَتِهِ وَوَجَدْت الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ فَجَوَابِي كَذَلِكَ لِأَنَّ إرَادَةَ الْعَمَلِ بِهَا لِأَجْلِ الْوَسِيلَةِ خَالِصٌ لِلَّهِ فَإِذَا فُرِضَ قَصْدُ ذَلِكَ انْقَطَعَ أَثَرُ الْبَاعِثَيْنِ الْمُتَقَاوِمَيْنِ دِينًا وَدُنْيَا وَصَارَ الْبَاعِثُ هَذَا الثَّالِثَ وَهُوَ دِينِيٌّ فَحَسْبُ فَيَسْتَحِيلُ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ.

وَهَذَا بِحَسَبِ مَا فَرَضَهُ السَّائِلُ فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ قَصَدَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ دَقِيقَةٌ لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لَهَا، وَشَرْطُهَا أَنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْبَاعِثُ الثَّالِثُ بِأَنْ يَجِدَ مِنْ نَفْسِهِ اتِّبَاعًا مِنْ ذَلِكَ التَّوَسُّلِ وَشَهْوَةً لِدَفْعِ الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ وَقَصْدًا لِإِجَابَتِهَا فِيمَا انْبَعَثَتْ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكْفِي أَنَّهُ يَقُولُ بِلِسَانِهِ: إنَّهُ يَقْصِدُ التَّوَسُّلَ وَلَا إنَّهُ يَخْتَارُ أَنَّهُ يَجْعَلُ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ هَذَا الثَّالِثُ وَإِنَّمَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْبَاعِثَانِ الْمُتَقَاوِمَانِ وَهُوَ الَّذِي قَالَ السَّائِلُ فِي اسْتِفْتَائِهِ: إنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ.

وَاَلَّذِي أَقُولُهُ فِيهِ أَيْضًا: إنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ وَلَا يَحْرُمُ سَوَاءٌ أَتَسَاوَى الْبَاعِثَانِ أَمْ قَوِيَ أَحَدُهُمَا أَيًّا مَا كَانَ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ حُصُولُ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ وَاجْتِمَاعَ الْبَوَاعِثِ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ وَاقِعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَحِسًّا فَيَحْصُلُ لَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» وَيَصِحُّ ذَلِكَ الْعَمَلُ لَكِنَّ ثَوَابَهُ أَنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ الْمُخْلِصِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا فُقِدَ الْإِخْلَاصُ فِيهِ يُفْقَدُ الثَّوَابُ فِيهِ بَلْ نَقُولُ ذَلِكَ إثْمٌ مُخْلَصٌ فِيهِ مِنْ الْجِهَةِ الدِّينِيَّةِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَإِنْ شَابَهُ نَقْصٌ لِاخْتِلَاطِهِ بِالدُّنْيَوِيِّ، وَإِنَّمَا يَحْبَطُ الْعَمَلُ بِالْكُلِّيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا الْبَاعِثُ الدُّنْيَوِيُّ وَلَيْسَ حُبُوطُ الْعَمَلِ حِينَئِذٍ لِتَحْرِيمِ

الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ لِذَاتِهِ بَلْ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ فَيَتَجَرَّدُ الْعَمَلُ عَنْ النِّيَّةِ فَيَكُونُ بَاطِلًا وَيَصِيرُ الْعَامِلُ بِهِ بِلَا نِيَّةٍ كَالْمُسْتَخِفِّ بِعِبَادَةِ اللَّهِ مَمْقُوتًا لِتَلْبِيسِهِ وَتَزْوِيرِهِ.

وَإِذَا كَانَ مَنْ يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ مَمْقُوتًا فَمَنْ يُصَوِّرُ نَفْسَهُ فِي صُورَةِ مَنْ يَفْعَلُ بِلَا فِعْلٍ أَشَدُّ مَقْتًا فَمِنْ هُنَا حُرِّمَ الرِّيَاءُ وَإِلَّا فَالرِّيَاءُ قَدْ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَكُونُ حَرَامًا وَقَدْ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ مَعَ النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ فَيَكُونُ جَائِزًا بَلْ مَطْلُوبًا كَإِظْهَارِ صَدَقَةِ الْفَرْضِ وَإِرَاءَةِ الْمُشْرِكِينَ الْقُوَّةَ بِالرَّمَلِ وَالتَّبَخْتُرِ بِالْحَرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَالْعَمَلُ الَّذِي لَمْ يُرَدْ بِهِ إلَّا الرِّيَاءُ حَرَامٌ لِمَا قُلْنَاهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي قُلْنَاهَا وَالْعَمَلُ الَّذِي خَالَطَهُ الرِّيَاءُ نَاقِصٌ وَالتَّوَسُّلُ بِهِ كَالتَّوَسُّلِ بِالْحَرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّوَسُّلُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ إلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ إنْ تُخُيِّلَ ذَلِكَ.

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ فِي نَفْسِهَا وَالرِّيَاءُ تَحْرِيمُهُ لِمَا سَبَقَ فَفِي حَالَةِ الْمُخَالَطَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْرِيمُهُ وَيَصِيرُ مِمَّا تُخَالِطُهُ الْعِبَادَةُ مِنْ الْأُمُورِ النَّاقِصَةِ الَّتِي لَيْسَتْ حَرَامًا وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ وُضُوءِ مَنْ قَصَدَ رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ مَعَهُ وَقَصْدُ التَّبَرُّدِ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لَيْسَ عِبَادَةً وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ أَقْوَى مِنْ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَكَذَلِكَ قَصْدُ الرِّيَاءِ مَعَ قَصْدِ الْعِبَادَةِ وَإِنْ كَانَ قَصْدُ الرِّيَاءِ مَذْمُومًا وَقَصْدُ التَّبَرُّدِ لَيْسَ مَذْمُومًا وَلَكِنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي عَدَمِ الْعِبَادَةِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ مُضَادَّةُ النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ.

وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ مَسَائِلَ كُنَّا قَصَدْنَا إفْرَادَ كُلِّ مَسْأَلَةٍ ثُمَّ انْجَرَّ تَرْتِيبُ الْكَلَامِ إلَى ذِكْرِهِ هَكَذَا، وَمِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِيهِ قَوْلُ السَّائِلِ إذَا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ حَرَامًا وَلَكِنَّ مَنْ عَادَتُهُ كَذَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَأُحَاشِي السَّائِلَ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ فَإِنَّهُ مَتَى سَلَّمَ التَّحْرِيمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ كَمَنْ تَخَيَّلَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ لِيَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ فَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ. وَالْفَرْقُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَاتَ الرِّيَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُنْقَسِمَةٌ وَالتَّحْرِيمُ عَارِضٌ لَهَا كَمَا يَعْرِضُ لِلْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ فَحَيْثُ نُجَوِّزُ الْإِقْدَامَ مَعَهُ لَا نَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ لَكِنَّهُ يُنْقِصُ الْعِبَادَةَ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ.

وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا بِالتَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا حَكَمُوا فِي الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ مَا لَمْ يَتَجَرَّدْ الرِّيَاءُ، وَلَكِنْ مَعَ الصِّحَّةِ قَدْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ وَأَنَا أَقُولُ: إنَّهُ يَصِحُّ وَيُثَابُ مَا لَمْ يَتَجَرَّدْ قَصْدُ الرِّيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت