فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 228

وَجُمْهُورُ الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ عَدُّوا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] آيَةً وَلَمْ يَعُدُّوا {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] وَجُمْهُورُ بَقِيَّةِ الْعَادِّينَ عَلَى الْعَكْسِ.

وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ بِاسْمِ اللَّهِ أَقْرَأُ أَوْ أَتْلُو لِأَنَّ الَّذِي يَتْلُو التَّسْمِيَةَ مَقْرُوءٌ وَقَدَّرَ مُتَأَخِّرًا لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ هُنَا وَجَاءَ مُتَقَدِّمًا فِي {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ هُنَاكَ أَهَمُّ، وَعَلَّقَهُ الْكُوفِيُّونَ بِفِعْلٍ مُتَقَدِّمٍ وَالْبَصْرِيُّونَ بِاسْمٍ مُتَقَدِّمٍ هُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ ابْتِدَائِي كَائِنٌ بِاسْمِ اللَّهِ، وَمَعْنَى الْبَاءِ هُنَا الِاسْتِعَانَةُ وَقِيلَ الْإِلْصَاقُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَهُوَ أَعْرَبُ وَأَحْسَنُ وَالْمُرَادُ تَعْلِيمُ الْعِبَادِ كَيْفَ يَتَبَرَّكُونَ بِاسْمِهِ وَيَحْمَدُونَهُ.

وَ (اللَّهُ) عَلَمٌ عَلَى الْمَعْبُودِ مُرْتَجَلٌ وَقِيلَ مُشْتَقٌّ وَمَادَّتُهُ مِنْ أَلِهَ بِمَعْنَى فَزِعَ أَوْ عَبَدَ أَوْ تَحَيَّرَ أَوْ سَكَنَ، وَقِيلَ مِنْ لَاهَ يَلِيهُ إذَا ارْتَفَعَ وَقِيلَ مِنْ لَاهَ يَلُوهُ إذَا احْتَجَبَ.

وَقِيلَ مِنْ وَلِهَ أَيْ طَرِبَ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَصْلُهُ أَلِهَ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ اعْتِبَاطًا أَوْ حُذِفَتْ لِلنَّقْلِ مَعَ الِادِّغَامِ، وَأَلْ فِيهِ زَائِدَةٌ لَازِمَةٌ وَشَذَّ حَذْفُهَا فِي قَوْلِهِمْ"لَاهَ أَبُوك"وَقِيلَ إنَّ"أَلْ"مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ وَرُدَّ بِامْتِنَاعِ تَنْوِينِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وَزْنُهُ فِعَالًا. وَتَفْخِيمُ لَامِهِ سُنَّةٌ إذَا لَمْ يَقَعْ مَا قَبْلَهُ مَكْسُورًا، وَقِيلَ أَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مُعْرَبٌ أَنَّهُ صِفَةٌ.

وَإِضَافَةُ اسْمِ إلَى اللَّهِ كَمَا فِي قَوْلِك: بَدَأْت بِاسْمِ زَيْدٍ فَالْمُرَادُ بِالِاسْمِ الْمُضَافِ اللَّفْظِ، وَيَزِيدُ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَدْلُولَهُ. فَاسْمُ زَيْدٍ الْمَبْدُوءُ بِهِ هُوَ لَفْظُ"زَيْدٍ"وَلَوْ قُلْتَ بَدَأْتُ بِزَيْدٍ لَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّك بَدَأْتَ بِذَاتِهِ هَكَذَا الْمَعْنَى هُنَاكَ بِجَعْلِ اسْمِ اللَّهِ مَذْكُورًا فِي أَوَّلِ الْأَشْيَاءِ.

وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ فِي الْبَاءِ أَحْسَنُ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِعَانَةِ، كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَلَوْ قُلْتَ بَدَأْتُ بِاَللَّهِ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى الِاسْتِعَانَةِ دُونَ الْإِلْصَاقِ. فَافْهَمْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا أَرْتَضِيه.

وَ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] قِيلَ دَلَالَتُهُمَا وَاحِدَةٌ.

وَقِيلَ الرَّحْمَنُ أَبْلُغُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُبَالَغَةَ رَحْمَنٍ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِلَاءِ وَالْغَلَبَةِ كَغَضْبَانَ. وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى.

وَمُبَالَغَةَ رَحِيمٍ مِنْ حَيْثُ التَّكْرَارِ وَالْوُقُوعِ بِمَحَالِّ الرَّحْمَةِ. وَلِذَلِكَ تَتَعَدَّى. قَالَتْ الْعَرَبُ: حَفِيظُ عِلْمِك

وَقِيلَ مَرْفُوعًا"الرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالرَّحِيمُ رَحِيمُ الْآخِرَةِ"

وَقِيلَ: رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ.

وَقِيلَ رَحْمَنُ الْآخِرَةِ وَرَحِيمُ الدُّنْيَا.

وَفِي صَرْفِ الرَّحْمَنِ قَوْلَانِ يُسْنَدُ أَحَدُهُمَا إلَى أَصْلٍ عَامٍّ، وَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الِاسْمِ الصَّرْفُ، وَالْآخَرُ إلَى أَصْلٍ خَاصٍّ وَهُوَ أَنَّ أَصْلَ فَعْلَانَ الْمَنْعُ لِغَلَبَتِهِ فِيهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَعْلِيلِهِ لِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُؤَنَّثٌ عَلَى فَعْلَى وَلَا عَلَى فَعْلَانَةَ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى نَظَائِرِهِ؛ نَحْوَ عُرْيَانَ وَسَكْرَانَ.

وَوَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ مَجَازٌ عَنْ إنْعَامِهِ. فَيَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وَقِيلَ إرَادَةُ الْخَيْرِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَذَلِكَ فَيَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ.

وَإِنَّمَا قَدَّمَ الرَّحْمَنَ عَلَى الرَّحِيمِ وَلَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَ التَّرَقِّي لِأَنَّ الرَّحْمَنَ تَنَاوَلَ جَلَائِلَ النِّعَمِ وَعَظَائِمَهَا وَأُصُولَهَا فَأَرْدَفَهُ الرَّحِيمَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ لِيَتَنَاوَلَ مَا دَقَّ مِنْهَا وَلَطُفَ.

وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ مِنْ الْمُغَايِرَةِ بَيْنَ مَدْلُولِ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ. وَالرَّحِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَفِي إعْرَابِ"الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"خِلَافٌ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْبَيَانُ، وَإِنْ كَانَ يَجْرِي مَجْرَى الْإِعْلَامِ. وَقَالَ الْأَعْلَمُ: بَدَلٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الِاسْمَ الْأَوَّلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَبْيِينٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت