وَقَوْلُ الصُّوفِيَّةِ: فُلَانٌ صَاحِبُ حَالٍ يُشِيرُونَ بِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الْمَعَارِفِ وَالْأَعْمَالِ فَعَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ يَكُونُ الْحَالُ وَعَلَى قَدْرِ الْحَالِ يَكُونُ الْعَمَلُ وَصَلَاحُ الْقَلْبِ بِالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَصَلَاحُ الْبَدَنِ بِالْأَعْمَالِ وَمَقَامُ كُلِّ رَجُلٍ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَحَالُهُ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ تَفَاوُتًا كَثِيرًا وَلَا أَحَدَ أَجْمَعُ لَهَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ بَعْدَهُ عَلَى مَقَامَاتِهِمْ فَمِنْهُمْ الْمُكْثِرُ مِنْهَا وَمِنْهُمْ الْمُقِلُّ، وَالْخَوْفُ وَاجِبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] وَقَالَ تَعَالَى {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] وَالرَّجَاءُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْيَأْسِ وَالْيَأْسُ حَرَامٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] وَقَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] وَلِأَنَّ فِي الرَّجَاءِ التَّصْدِيقَ بِوَعْدِ اللَّهِ فَقَدْ تَظَاهَرَتْ آيَاتُ الْوَعْدِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَمَا تَظَاهَرَتْ آيَاتُ الْوَعِيدِ عَلَى الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ.
وَالتَّصْدِيقُ بِوَعْدِ اللَّهِ وَاجِبٌ فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْخَوْفِ وَحْدَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رَجَاءٌ أَلْبَتَّةَ أَوْ كَانَ جَانِبُ الرَّجَاءِ عِنْدَهُ مَغْمُورًا لَا وَزْنَ لَهُ مَعَ الْخَوْفِ اقْتَضَى لَهُ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى الْعَاصِي بِالِانْسِلَاخِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الدِّينِ وَهَذَا رَأْيُ الْحَرُورِيَّةِ وَهُمْ أَوَّلُ طَوَائِفِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ خَرَجُوا عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ أَوْ حِينِ فُرْقَةٍ كَمَا أَخْبَرَ فِيهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهُمْ ذُو الثُّدَيَّةِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُتِلَ بِسُيُوفِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا اتَّفَقَ مِنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ مَا اتُّفِقَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَكْفِيرًا وَلَا تَفْسِيقًا وَإِنَّمَا هُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي سَائِرِ الْفُرُوعِ جَرَّ قِتَالًا لِأَمْرٍ أَرَادَهُ اللَّهُ - أَنْكَرَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْخَبِيثَةُ مَا اتَّفَقَ مِنْ التَّحْكِيمِ وَغَيْرِهِ وَكَفَّرَتْ الصَّحَابَةَ.
وَمِنْ اعْتِقَادِهِمْ التَّكْفِيرُ بِالذَّنْبِ، وَيُسَمَّوْنَ خَوَارِجَ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيُسَمَّوْنَ حَرُورِيَّةَ لِنُزُولِهِمْ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ وَكَانُوا ثَمَانِيَةَ آلَافِ نَفْسٍ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَنَاظَرَهُمْ يَوْمًا كَامِلًا فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَبَقِيَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الَّذِي قَتَلَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَخْبَارُهُمْ طَوِيلَةٌ وَلَا خِلَافَ فِي فِسْقِهِمْ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كُفْرِهِمْ وَالْأَقْرَبُ كُفْرُهُمْ وَهُمْ مُتَنَطِّعُونَ فِي الدِّينِ غَالُونَ فِيهِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ وَاثْنَانِ هَالِكَانِ مُفَرِّطٌ وَمُفَرِّطٌ فَهَؤُلَاءِ هَلَكُوا بِالْإِفْرَاطِ كَمَا هَلَكَ غَيْرُهُمْ بِالتَّفْرِيطِ.