فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 228

وَكَانَ حَمْلُهَا عَلَى الْعَاطِفَةِ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ الْمَمْسُوسَاتِ فِيمَا ذَكَرَ مُشَارَكَتُهُنَّ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ. هَذَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ثَانِيًا مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِمْ الْمُشَارَكَةَ: انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ. وَهُوَ فِي غَايَةِ السَّدَادِ فَرَحِمَهُ اللَّهُ مَا أَصَحَّ ذِهْنَهُ، وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ نَفْي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَقَوْلُنَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَهُوَ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ. وَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا} [البقرة: 236] مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ لَا جُنَاحَ وَأَنَّ"أَوْ"بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا بِمَعْنَى"إلَّا أَنْ"لَكِنَّهُ تَكَلُّفٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ الْمَعْنَى مَا لَمْ تَكُونُوا مَسَسْتُمْ أَوْ فَرَضْتُمْ، لِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ الْمُسَبِّبَ لِلْجُنَاحِ هُوَ الْوَاقِعُ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَجَازٍ إمَّا فِي"تَمَسُّوهُنَّ"بِمَعْنَى: تَكُونُوا قَدْ مَسَسْتُمُوهُنَّ، وَإِمَّا بِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ"إنْ"بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخِطَابِ لَا إلَى الطَّلَاقِ. وَلَوْ جُعِلَ {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا} [البقرة: 236] مُتَعَلِّقًا (بِطَلَّقْتُمْ) سَلِمَ عَنْ هَذَا الْمَجَازِ، لَكِنْ يُعَارِضُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا رَجَحَ تَعَلُّقُهُ بِخَبَرِ {لا جُنَاحَ} [البقرة: 236] فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَاهُ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ هُنَا جَعَلَ التَّرْدِيدَ بَيْنَ الْمَسِّ وَالْفَرْضِ وَلَمْ يُعِدْ حَرْفَ النَّفْيِ؛ وَهُوَ حَقٌّ فِي قَوْله تَعَالَى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] قَدَّرْت: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوَّلًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ وَلَا كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الَّتِي مَا آمَنَتْ مَا كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا فَلَا وَجْهَ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً أُخْرَى فَاحْتِيجَ إلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ بَلْ وَزِيَادَةٍ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَنْ تُقَدِّرَ"نَفْسًا"حَتَّى تَكُونَ النَّفْسُ الثَّانِيَةُ غَيْرَ النَّفْسِ الْأُولَى لِتَتِمَّ الْفَائِدَةُ. فَالتَّرْدِيدُ بَيْنَ

النَّفْسَيْنِ؛ لَا فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ. لَا يَنْفَعُ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَا نَفْسًا لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا.

وَلَا مُتَعَلِّقٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي الْآيَةِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ نَافِعٌ قَطْعًا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكْسِبْ فِيهِ خَيْرًا. فَالْوَجْهُ فِي الْعَطْفِ مَا قَدَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا وَلَا كَسْبُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ أَوْ كَسَبَتْ وَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ لَفٌّ وَنَشْرٌ. أَيْ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَا يَنْفَعُهَا كَسْبُهَا لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا، وَالْمَقْصُودُ سَلْبُ النَّفْعِ إلَّا عَنْ إيمَانٍ أَوْ كَسْبِ الْخَيْرِ، وَهُوَ حَقٌّ. هَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِحَسَبِ مَا اقْتَضَاهُ الْبَحْثُ الْآنَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَبَاحِثِ غَيْرِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت