فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 219

قَوْلُهُ: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} فِيهَا الِاكْتِفَاءُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَهُوَ خَيْرُ الشَّاهِدِينَ إنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنِّي الْحَقَّ فِي الدَّعْوَى وَالصِّدْقَ فِي التَّبْلِيغُ فَسَيَنْصُرُنِي، فَلَا جَرَمَ صَدَّقَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَنَصَرَهُ بِالدَّلَالَاتِ، وَأَكْرَمَهُ بِالظُّهُورِ فِي الْعَوَاقِبِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} ؟

قِيلَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ مَقْطُوعٌ عَنْهُ فِي الْمَعْنَى. التَّقْدِيرُ: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ يَشْهَدُ لِي بِصِدْقِي؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ مُجَاهِدٌ: إنَّ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} ، فَلَوْ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُوَ اللَّهُ لَكَانَ تَكْرَارًا مَحْضًا خَارِجًا عَنْ صِحَّةِ الْمَعْنَى وَجَزَالَةِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ فِقد اخْتُلِفَ فِيمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ آمَنَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

الثَّانِي: أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قُرِئَ: وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ بِخَفْضِ الْمِيمِ مِنْ"مِنْ"وَرَفْعِ الْعَيْنِ مِنْ"عُلِمَ".

وَقُرِئَ بِخَفْضِ الْمِيمِ مِنْ"مِنْ"وَبَاقِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.

الرَّابِعُ: الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ.

(فائدة)

فِي تَدَبُّرِ مَا مَضَى: أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُمْ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْيَهُودِ، كَابْنِ سَلَامٍ، وَابْنِ يَامِينَ. وَمِنْ النَّصَارَى، كَسَلْمَانَ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، فَإِنَّ الْمَعْنَى عِنْدَهُ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ.

وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَعَوَّلَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا لِأَنَّهُ عِنْدَهُ أَعْلَمُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ أَعْلَمُ مِنْهُ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِي ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ أَوْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا» . وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ، النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَدِينَةُ عِلْمٍ وَأَبْوَابُهَا أَصْحَابُهَا؛ وَمِنْهُمْ الْبَابُ الْمُنْفَسِحُ، وَمِنْهُمْ الْمُتَوَسِّطُ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ فِي الْعُلُومِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُمْ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ فَصَدَقَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَعْلَمُ الْكِتَابَ، وَيُدْرِك وَجْهَ إعْجَازِهِ؛ يَشْهَدُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصِّدْقِ.

وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَعَوَّلَ عَلَى حَدِيثٍ خَرَّجَهُ لِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمَّا أُرِيدَ قَتْلُ عُثْمَانَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا جَاءَ بِك؟ قَالَ: جِئْت فِي نَصْرِك. قَالَ: اُخْرُجْ إلَى النَّاسِ، فَاطْرُدْهُمْ عَنِّي، فَإِنَّك خَارِجًا خَيْرٌ لِي مِنْك دَاخِلًا. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فُلَانٌ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ، وَنَزَلَتْ فِي آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ فَنَزَلَتْ فِي: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10] الْآيَةَ إلَى آخِرِهَا، وَنَزَلَتْ فِي: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} .

إنَّ لِلَّهِ سَيْفًا مَغْمُودًا عَنْكُمْ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ جَاوَرَتْكُمْ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا الَّذِي نَزَلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. اللَّهَ اللَّهَ فِي هَذَا الرَّجُلِ أَنْ تَقْتُلُوهُ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتُطْرَدَنَّ جِيرَانُكُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَلَيُسَلَّنَّ سَيْفُ اللَّهِ الْمَغْمُودُ عَنْكُمْ، فَلَا يُغْمَدُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَالُوا: اُقْتُلُوا الْيَهُودِيَّ، وَاقْتُلُوا عُثْمَانَ.

وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَنْزِلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ سَبَبًا، وَتَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ لَفْظًا؛ وَيُعَضِّدُهُ مِنْ النِّظَامِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي بِهِ قُرَيْشًا؛ فَاَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ إلَى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ أَقْرَبُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت