فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 219

هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، وَكَثِيرًا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ سَيِّدَهُمْ وَوَاسِطَتَهُمْ إلَى رَبِّهِمْ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُمْ، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ خَيَّرَهُ اللَّهُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، فَاخْتَارَ الْفَقْرَ، يَجُوعُ يَوْمًا، وَيَشْبَعُ يَوْمًا، وَيَشُدُّ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ الْجُوعِ حَجَرَيْنِ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ صَبَّارًا، وَكَانَ يَأْخُذُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّضِيرَ وَفَدَكَ وَخَيْبَرَ، ثُمَّ يَصْرِفُ مَا بَقِيَ فِي الْحَاجَاتِ، حَتَّى يَأْتِيَ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الْخِطَابِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ، لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَالِ وَالْجَلَالِ، وَشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ، وَقُوَّةِ النَّفْسِ عَلَى الْوَظَائِفِ، وَعَظِيمِ الْعَزْمِ عَلَى الْمَقَاصِدِ، فَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ فَالْخِطَابُ عَلَيْهِمْ وَارِدٌ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ كَمَا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ مُتَوَجِّهٌ، إلَّا أَفْرَادًا خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ بِكَمَالِ صِفَاتِهِمْ، وَعَظِيمِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْهُمْ «أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، خَرَجَ عَنْ جَمِيعِ مَالِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِبَلَهُ مِنْهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ» ؛ وَأَشَارَ عَلَيَّ أَبِي لُبَابَةَ وَكَعْبٍ بِالثُّلُثِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِمْ؛ لِنَقْصِهِمْ عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فِي أَحْوَالِهِمْ؛ وَأَعْيَانٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، كَانُوا عَلَى هَذَا، فَأَجْرَاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَائْتَمَرُوا بِأَمْرِ اللَّهِ، وَاصْطَبِرُوا عَلَى بَلَائِهِ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ قُلُوبُهُمْ بِدُنْيَا، وَلَا ارْتَبَطَتْ أَبْدَانُهُمْ بِمَالٍ مِنْهَا؛ وَذَلِكَ لِثِقَتِهِمْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ فِي الرِّزْقِ، وَعُزُوبِ أَنْفُسِهِمْ عَنْ التَّعَلُّقِ بِغَضَارَةِ الدُّنْيَا.

وَقَدْ كَانَ فِي أَشْيَاخِي مَنْ ارْتَقَى إلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَمَا ادَّخَرَ قَطُّ شَيْئًا لِغَدٍ، وَلَا نَظَرَ بِمُؤَخِّرِ عَيْنِهِ إلَى أَحَدٍ، وَلَا رَبَطَ عَلَى الدُّنْيَا بِيَدٍ، وَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، وَهُوَ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت