قَالَ سُلَيْمَانُ: مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ. وَلَمْ يَقُلْ: مَا لِلْهُدْهُدِ لَا أَرَاهُ؟
قَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّهِيدُ: قَالَ لَنَا جَمَالُ الْإِسْلَامِ وَشَيْخُ الصُّوفِيَّةِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ: إنَّمَا قَالَ: (مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ حَالَ نَفْسِهِ؟ إذْ عَلِمَ أَنَّهُ أُوتِيَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ، وَسُخِّرَ لَهُ الْخَلْقُ، فَقَدْ لَزِمَهُ حَقُّ الشُّكْرِ بِإِقَامَةِ الطَّاعَةِ وَإِدَامَةِ الْعَمَلِ. فَلَمَّا فَقَدَ نِعْمَةَ الْهُدْهُدِ تَوَقَّعَ أَنْ يَكُونَ قَصَّرَ فِي حَقِّ الشُّكْرِ، فَلِأَجْلِهِ سُلِبَهَا، فَجَعَلَ يَتَفَقَّدُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: مَالِي، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ إذَا فَقَدُوا آمَالَهُمْ تَفَقَّدُوا أَعْمَالَهُمْ.
هَذَا فِي الْآدَابِ، فَكَيْفَ بِنَا الْيَوْمَ، وَنَحْنُ نُقَصِّرُ فِي الْفَرَائِضِ.
* قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا يَدُلُّ مِنْ سَلِيمَانِ عَلَى تَفَقُّدِهِ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمْ، فَانْظُرُوا إلَى الْهُدْهُدِ وَإِلَى صِغَرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْهُ حَالُهُ، فَكَيْفَ بِعَظَائِمِ الْمُلْكِ؟ وَيَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى سِيرَتِهِ قَالَ:"لَوْ أَنَّ سَخْلَةً بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ أَخَذَهَا الذِّئْبُ لَيُسْأَلُ عَنْهَا عُمَرُ، فَمَا ظَنُّك بِوَالٍ تَذْهَبُ عَلَى يَدَيْهِ الْبُلْدَانُ، وَتَضِيعُ الرَّعِيَّةُ، وَتَضِيعُ الرُّعْيَانُ."
(فائدة)
قَالَ ابْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَمِعَهُ يَذْكُرُ شَأْنَ الْهُدْهُدِ هَذَا: قِفْ يَا وَقَّافٍ.
كَيْفَ يَرَى الْمَاءَ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَلَا يَرَى الْحَبَّةَ فِي الْفَخِّ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بَدِيهَةً: إذَا نَزَلَ الْقَدَرُ عَشِيَ الْبَصَرُ.
وَلَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ إلَّا عَالِمُ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ التِّنِّيسِيُّ الْوَاعِظُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيِّ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
إذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا بِامْرِئٍ ... وَكَانَ ذَا عَقْلٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرْ
وَحِيلَةٍ يَعْمَلُهَا فِي دَفْعِ مَا ... يَأْتِي بِهِ مَكْرُوهُ أَسْبَابِ الْقَدَرْ
غَطَّى عَلَيْهِ سَمْعَهُ وَعَقْلَهُ ... وَسَلَّهُ مِنْ ذِهْنِهِ سَلَّ الشَّعَرْ
حَتَّى إذَا أَنْفَذَ فِيهِ حُكْمَهُ ... رَدَّ عَلَيْهِ عَقْلَهُ لِيَعْتَبِرْ