قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا مَنْ زَادَ عَلَى طَعَامِ مِسْكِينٍ، وَقِيلَ: مَنْ صَامَ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} مَعْنَاهُ الصَّوْمُ خَيْرٌ مِنْ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَخَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ.
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ الْفَرْضَ خَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ النَّفْلِ، وَالصَّدَقَةَ النَّفَلَ خَيْرٌ مِنْ الصَّوْمِ النَّفْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ الْفَرْضَ خَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ الَّذِي هُوَ بَدَلُهُ، وَهُوَ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ.
قُلْنَا قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} مُرْتَبِطٌ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالتَّأْوِيلَاتِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَصَوْمُكُمْ خَيْرٌ مِنْ إطْعَامِكُمْ الْفَرْضَ وَتَطَوُّعِهِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَصَوْمُكُمْ خَيْرٌ مِنْ إطْعَامِكُمْ الْبَدَلَ لَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَصَوْمُكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ تَطَوُّعِكُمْ الزَّائِدِ عَلَيْهِ وَبَدَلِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَصَوْمُكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ الزَّائِدِ عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا رَغَّبَ فِي تَكْثِيرِ الْإِطْعَامِ، وَتَرْكِ الصِّيَامِ، فَأَعْلَمَ أَنَّ الصَّوْمَ خَيْرٌ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقَالُ: الْفَرْضُ خَيْرٌ مِنْ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَحُكْمُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي أَصْلِ التَّخْيِيرِ، ثُمَّ يَتَفَاضَلَا فِيهِ؟
قُلْنَا: الصَّوْمُ خَيْرٌ مِنْ الْفِطْرِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، فَصَارَ فِيهِ وَصْفٌ مِنْ النَّفْلِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: تَقْدِيمُهُ أَوْ فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ.