فَإِنْ قِيلَ: إذَا بَذَلَ الْجِزْيَةَ فَحَقَنَ دَمَهُ بِمَالٍ يَسِيرٍ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ بِاَللَّهِ؛ هَلْ هَذَا إلَّا كَالرِّضَا بِهِ؟
فَالْجَوَابُ أَنَا نَقُولُ: فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ مِنْ الْحِكْمَةِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي أَخْذِهَا مَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَتَقْوِيَةً لَهُمْ، وَرِزْقٌ حَلَالٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْكَافِرُ لَيَئِسَ مِنْ الْفَلَاحِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَلَكَةُ؛ فَإِذَا أَعْطَى الْجِزْيَةَ وَأُمْهِلَ لَعَلَّهُ أَنْ يَتَدَبَّرَ الْحَقَّ، وَيَرْجِعَ إلَى الصَّوَابِ، لَا سِيَّمَا بِمُرَاقَبَةِ أَهْلِ الدِّينِ، وَالتَّدَرُّبِ بِسَمَاعِ مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إدْرَارِ رِزْقِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى مِنْ اللَّهِ، يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ، وَهُمْ يَدْعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ» .
وَقَدْ بَيَّنَ عُلَمَاءُ خُرَاسَانَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالُوا: إنَّ الْعُقُوبَاتِ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مَا فِيهِ هَلَكَةُ الْمُعَاقَبِ.
وَالثَّانِي: مَا يَعُودُ بِمَصْلَحَةٍ عَلَيْهِ، مِنْ زَجْرِهِ عَمَّا ارْتَكَبَ، وَرَدِّهِ عَمَّا اعْتَقَدَ وَفَعَلَ.