فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 465

هذا، ويعجبني من الشعر في باب الخوف من اللهِ قولُ محمود الوراق:

يا ناظِرًا يَرنْو بعيْنَيْ رافِدٍ ... ومُشاهِدًا للأمْرِ غيرَ مُشاهِدِ

مَنَّيْتَ نفْسَكَ ضَلّةً وأَبَحْتَها ... طُرُقَ الرَّجاءِ وهُنَّ غيرُ قواصِدِ

تَصِلُ الذُّنوبَ إلى الذُّنوبِ وتَرْتَجي ... دَرَكَ الجِنانِ بها وفوْزَ العابِدِ

ونَسِيتَ أنَّ اللهَ أخْرجَ آدَمًا ... منها إلى الدُّنيا بذَنْبٍ واحدِ

وقال الحسن البصري: إنّ خوفَك حتّى تلقى الأمن، خيرٌ من أمْنِك حتّى تلقى الخوف. . . وقال: ينبغي أن يكون الخوفُ أغلبَ على الرجاء، فإنَّ الرجاءَ إذا غلبَ الخوفَ فَسَدَ القلبُ. . .

وقال بعضهم: قلت لسفيان: بلغني في قول الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أنه الذي يلقى ربّه وليس فيه أحدٌ غيرُه، فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير. . .

وقالوا: من خاف اللهَ أخاف اللهُ منه كلَّ شيء، ومن لم يَخَفِ اللهَ أخافه اللهُ من كلِّ شيء. . .

وقال الفضيلُ بن عياض: إني لأستحي من الله أن أقولَ توكلت على الله، ولو توكّلت عليه حقَّ التوكُّل، ما خفتُ ولا رَجَوْتُ غيرَه.

وأما بعد فهو معلومٌ من الدين بالضرورة أنّ الله سبحانه خلق الإنسان وهو يعلم ما توسوس به نفسُه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد، وإنّ عليكم لحافظين كرامًا كاتبين

يعلمون ما تفعلون:

إنَّ مَنْ يَركَبُ الفواحِشَ سِرًَّا ... حينَ يِخلو بِسرِّه غيرُ خالِ

كيفَ يَخلو وعندَه كاتِباه ... شاهِداهُ، وربُّه ذو الجلالِ

وكذلك هو معلومٌ أنّ الناسَ قواري اللهِ في أرضِه أي أنّ الناس ولا سيّما الصالحون منهم - شهودُ الله في أرضه - لأنّهم يتتبع بعضُهم أحوالَ بعضٍ، فإذا شهدوا لإنسانٍ بخيرٍ أو بِشَرٍّ فقد أوجب. . .

وبعبارة أخرى: إنَّ على كلِّ إنسان رقباءَ هم له بالمرصاد، يُزَنِّؤون عليه، ويجعلون بالَهم إليه، ولا تكاد تخفى عليهم خليقةٌ لديه:

ومَهْما يكُنْ عندَ امْرِئٍ من خليقةٍ ... وإنْ خالَها تَخفى على الناسِ، تُعْلَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت