فهرس الكتاب
(قلة الوفاء في الناس وشيوع الغدر والمكر في عامتهم)
وقالوا في قلّة الوفاء في الناس ووصف عامّتهم بالغَدْر، والمكر السّيّئ، ومن أروع ما قيل في ذلك قوله ُعزّ وجلّ: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} . .
وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} . . . . وقال: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} وقال: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ
إِلَّا بِأَهْلِهِ. . . وقال: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} . وقال: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} . . . .
وقال المتنبي:
غَيْري بأكْثرِ هذا النّاسِ يَنْخَدِعُ ... إن قاتلوا جَبُنوا أو حَدَّثوا شَجُعوا
أهْلُ الحفيظةِ إلاَّ أنْ تُجرِّبَهم ... وفي التجارِبِ بَعْد الغَيِّ ما يَزَعُ
وقال أبو فراس الحمداني:
بِمَنْ يَثقُ الإنسانُ فيما ينوبُه ... ومِنْ أين للحُرِّ الكريمِ صحابُ
وقد صارَ هذا الناسُ إلا أقلَّهُمْ ... ذئاباً على أجْسادِهِنَّ ثِيابُ
وقال أبو تمام:
إنْ شئتَ أن يَسْوَدَّ ظنُّكَ كلُّه ... فأجِلْهُ في هذا السَّوادِ الأعْظمِ
ليسَ الصديقُ بمن يُعيرُك ظاهراً ... متبسِّماً عن باطنٍ مُتَجَهِّمِ
يقول: إن شئت أن لا تظن بأحد خيراً فاختبر من شئت من هذا الناس، وكان يحيى بن خالد البرمكي إذا اجتهد في يمينه يقول: لا والذي جعل الوفاء أعزَّ ما يرى. وكان يقول: هو أعزُّ من الوفاء. وقالوا: من عامل الناس بالمكر كافؤوه بالغدر. وكانت العرب إذا غدر مِنْهم غادرٌ، يُوقدون له بالموسم ناراً وينادون عليه يقولون: ألا إن فلاناً غدر. . . . وقالوا: ربَّ حيلة أهلكت المحتال، وقال امرؤ القيس:
أحارِ بْنَ عَمْرٍو كأنّي خَمِرْ ... ويَعْدو على المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
رجل خَمِر: خالطه الداء، وقوله ويعدو الخ: أراد أن المرء يأتمر لغيره بسوء فيرجع وَبالُ ذلك عليه وقال شاعر لا أذكره:
وكمْ مِنْ حافرٍ لأخيه ليلاً ... تَردّى في حَفيرَتِه نَهارا
ومن قولهم في وصف الغادر: فلانٌ يَحْسو الأماناتِ حَسْواً، وفلانٌ أغْدَرُ مِنَ الذِّئْبِ، قال:
هو الذِّئْبُ ولَلذِّئبُ أوْفى أمانة