(صلة الرحم)
وبعد فلنورد بعض ما قالوا في صلة الرحم، والرحم في الأصل: موضع تكوين الولد، ثم سميت القرابة رَحماً، فالرحم: خلاف الأجنبي، وقال ابن الأثير: ذوو الرحم: هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب - قرابة - ويطلق في الفرائض - علم المواريث - على الأقارب من جهة النساء. ويقال: رَحِم ورَحْم ورِحْم، وهي مؤنثة، قال زهير ابن أبي سُلمى:
خُذُوا حَظَّكُمْ يا آل عِكْرِمَ واذكرُوا ... أواصِرَنا والرَّحْمُ بالغَيْبِ تُذْكَرُ
ومما ورد في صلة الرحم: قوله جل شأنه: {وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفي قراءة: والأرحام بالخفض، وإذن يكون المعنى: تساءلون به وبالأرحام، وهو قولهم: نشدتك بالله وبالرحم. . .، وقال صلى الله عليه وسلم: (الرَّحم شُجْنَةٌ من الله - وفي رواية: من الرحمن - معلقة بالعرش تقول اللهمَّ صِلْ من وصلني واقطع من قطعني) . . . قال الجوهري: الشُّجنة بالضم والفتح والكسر: عروق الشجر المشتبكة، و: بيني وبينه شُجنةُ رَحم: أي قرابة مشتبكة، ومن ذا قولهم: الحديثُ ذو شجون: أي ذو شعبٍ وامتساكٍ بعضه ببعض، وعبارة أبي عبيدة في تفسير هذا الحديث: شجنة من
الله: أي قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق، شبهه بذلك مجازاً واتساعاً، وأصل الشجنة. شعبة من غصن
من غصون الشجر ثم استعمل اتساعاً في الرحم المشتبكة وقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لا يجالسنا قاطع رحم، فقام شاب، فأتى خالةً له، - وكان بينه وبينها شيء - فأخبرها بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فاستغفرت له واستغفر لها، ثم رجع والنبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه فأخبره، فقال النبي: إن الرحمة لا تنزل على قاطع رحم. وفي الحديث: (من أحب أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أجله، فليصل رحمه) ينسأ: يؤخر ومنه الحديث. (صلة الرحم مثراة في المال منسأة في الأثر) . منسأة: مفعلة من النسء أي مظِنَّة له وموضع، والأثر: الأجل، وفي الحديث: لا تستنسؤوا الشيطان أي إذا أردتم عملاً صالحاً فلا تؤخروه إلى غد ولا تستمهلوا الشيطان، يريد: أن ذلك مهلة مسوّلة من الشيطان. ولعل المراد من تبسيط الرزق ومد العمر: البركة والخير والسعادة ورفاغة العيش، وللعلماء في ذلك كلام كثير راجعه في المطولات. . .
وكان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم: مَن كان منهم يؤثر أقرباءه بالولايات والعِمالات وإسناد أمور الدولة إليهم، فإنما كان ذلك - بعد كفاية الأقرباء واستحقاقهم - للبر صِرْفاً، أي امتثالاً لأمر الله في وجوب صلة الرحم، ومن كان منهم يؤثر الأجانب ويُقصي الأقارب ويحرمهم أعمالَ الدولة. فإنما كان ذلك للبر أيضاً، إذ كان ذلك إمعاناً في التورع والتأثم وتَركاً لما يريب إلى ما لا يريب. . . وفي ذلك يقول الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه: كان عمر يمنع أقرباءه ابتغاء وجهِ الله، وأنا أعطي قراباتي لوجه الله، ولن يُرى مثلُ عمر. . . فتأمل قوله: ولن يُرى مثل عُمر. . . أي لن يبلغ إنسان مبلغه في
الحزم والسياسة الرشيدة وضبطِ النفس أن تسترسل مع ما يُشبه الهوى. . . يعني أن عمرَ أفضلُ مني، رضي الله عن الجميع. . .
ومما يروى في معنى حث الأقارب على التعاون: أن أكثمَ بنَ صيفيٍّ حكيمَ العرب دعا أولاده عند موته، فاستدعى بضِمامةٍ من السهام أي حزمة منها، لغة في الإضمامة وتقدم إلى كل واحد أن يكسرها، فلم يقدر واحد على كسرها، ثم بددها وتقدم إليهم أن يكسروها، فاستسهلوا كسرها، فقال: كونوا مجتمعين، ليعجز من ناوأكم أي عاداكم عن كسركم، لعجزكم. . . وقال الشاعر في هذا المعنى: