(الدنيا غرّارة)
قال بعضهم: هذه الدُّنيا قَحْبَةٌ يوماً عند عطّار، ويوماً عند بيطار. . .
وقال المتنبي:
فَذي الدّارُ أَخْونُ مِن مُوْمِسٍ ... وأخْدَعُ من كفَّةِ الحابِلِ
تَفَانى الرِّجالُ على حُبِّها ... وما يَحْصُلونَ على طائِلِ
الحابل: الصائد ذو الحِبالة، وهي الشَّرك، والطائل: ما كان له قدر. يقول المتنبي: إن هذه الدنيا فاجرةٌ خوّانة لبنيها كالمومس تخلف من وَثِقَ بها، وهي كذلك أخدعُ من حِبالة الصائد تصرع من اطمأنَّ إليها، ثم قال في البيت الثاني: تفانى الناس على حبِّها ومع ذلك لم يحصلوا من أمرها على طائلٍ لأنها تستردُّ ما تعطيه وتهدم ما تبنيه، وتَمَرُّ بعد حلاوتها وتَعْوجُّ بعد استقامتها.
وقالوا: مثلُ الدُّنيا مثلُ الحيّة ليِّنٌ مسّها وفي جوفها السُّمُّ النّاقع، يهوي إليها الصبيُّ الجاهل، ويحذرها الحازمُ العاقل. يهوي إليها: يسرع وذلك كما تقول رأيتُ فلاناً يَهْوي نحوك، معناه: يريدك، قال تعالى: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} : أي تريدهم وتسرع وقال أبو عمرو بن العلاء: كنت أدورُ في ضيعتي في شدّة الحرِّ فسمعت هاتِفاً يقول:
وإنَّ امْرَأً دُنْياهُ أكْبَرُ هَمّهِ ... لَمُسْتَمْسِكٌ منها بِحَبْلِ غُرورِ
فنقشت ذلك على خاتمي.
وقال الشاعر:
ومَنْ عَرَفَ الأيّامَ لَمْ يَرَ خَفْضَها ... نَعِيماً ولَمْ يَعْدُدْ تَصَرُّفَها بَلْوَى
(حب الدنيا على الرغم من عيوبها)
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه - وقد ذُكر له قومٌ يحبّون الدُّنيا: هُمْ أبناؤها، أفَيُلامُ الرجلُ على حبِّ والِدَيْه! وقال الشَّعبيُّ: ما أعلمُ لنا وللدنيا كقولِ كثيّر عزّة:
أسِيئي بِنا أوْ أحْسِني لا مَلومَةٌ ... لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
وقد تقدّم وقال شاعر:
يَذُمُّون دُنيا لا يُريحونَ دَرَّها ... ولَمْ أرَ كالدُّنيا يُذَمُّ ويُحْلَبُ
لا يريحون درَّها فالدرُّ: اللبن يقول: إنّهم مع ذمِّهم إيّاها يُلحّون في الإقبال عليها ويَكلَبون ويَشْرَهون حتّى ما يتركونَ درَّها يستريح، وهذا على المثل. . .
وقال أبو العتاهية:
كُلُّنا يُكْثِرُ المَذمَّةَ للدُّنْ ... يا وكلٌّ بِحُبِّها مَفْتونُ