فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 465

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(269)}

(لطيفة)

قالَ بَعْضُ المُلوكِ لِبَعْضِ وُزَرائِه - وأراد مِحْنَته: ما خيرُ ما يُرْزَقُه العَبْدُ؟ قال: عقلٌ يعيش به، قال: فإنْ عَدِمَه؟ قال: فأدبٌ يَتَحلّى به، قال: فإن عَدِمَه؟ قال: فمالٌ يَسْتُره، قال: فإن عَدِمَه؟ قال: فَصاعِقةٌ تُريحُ مِنْه العِبادَ والبِلادَ. . .

كان الأحنف بن قيس يقول: لا تزال العربُ عَربًا ما لَبِسَتِ العَمائم، وتَقَلَّدَتِ السُّيوف، ولم تعُدَّ الحِلْمَ ذُلا، ولا التَّواهُبَ فيما بينَها ضَعَةً. . .

قوله: ما لَبِسَتِ العَمائم، يريد: ما حافظت على زيِّها، وقوله: وتقلدت السيوف، يريد الامْتِناع من الضَّيْم، وقوله: ولم تعُدَّ الحِلْمَ ذُلا، يقول: ما عَرفت مَوْضع الحِلْم، وذلك أن الرجل إذا أغْضَى للسلطان، أو أغْضَى عَنِ الجواب وهو مأسُورٌ لم يُقَلْ: حَلُمَ، إذا ترَكَ أنْ يقولَ الشيءَ لِصاحِبه مُنتصرًا ولا يَخافُ عاقِبَةً يَكْرَهُها. فهذا الحِلْم المحضُ، فإذا لم يَفْعَلْ ذلك ورأى أنَّ تَرْكَه الحِلْمَ ذلٌ فَهْوَ خَطأٌ وسَفَهٌ؛ وقوله: ولم ترَ التواهُبَ بينها ضَعَةً، نحوٌ مِن هذا، وهو: أنْ يَهَبَ الرَّجل من حقِّه ما لا يُسْتَكْرَه عليهِ. . .

وكان يقال: أحْيوا المعروفَ بإِماتَتِه، ومعنى ذلك: أنّ الرجلَ إذا امْتَنَّ بِمعْروفِه كَدَّره، وقيل: المِنَّةُ تَهْدِم الصنيعة، وقد قال قيسُ بنُ عاصِمٍ المِنْقَري: يا بَني تميم، اصْحَبوا مَنْ يذكُرُ إحْسانَكم إليه ويَنْسى أياديَه إليكم. . .

(فائدة)

قالوا: لا تأكلْ ما تَشْتَهي فَيُصيرَكَ إلى ما لا تشتهي. . . . وفي الحديث: (لا تُكرِهوا مَرْضاكُمْ على الطعامِ والشَّرابِ فإنَّ اللهَ يُطْعِمُهُمْ ويَسقيهم) . . . . وقالوا: الحِمْيَةُ للصّحيحِ ضارّة، كما أنها للعليلِ نافِعةٌ. . .

وقال الرشيد لِلْفَضْلِ: ما أطْيبُ ما في هذهِ الدُّنيا؟ فقال: رَفْضُ الحِشْمةِ وتَرْكُ عِلمِ الطِّبِّ، فلا عيْشَ لمُحْتَشِمٍ ولا لذَّةَ لِمُحْتَمٍ. . . وقالوا: من عرف ما يضُّرهُ ممّا ينفعُه فهْوَ مريض. . .

وقال أفلاطون: الموت مَوْتان: طبيعيٌّ وإراديٌّ؛ فالطبيعيُّ مفارقة الرُّوحِ للبَدَن، والإراديُّ منْعُ الأبْدانِ مِنَ الشَّهوات. . .

وقالوا: الأبْدانُ التي اعْتادتِ الحِمْية آفتُها التَّخْليط، والأبْدان التي اعْتادتِ التخليطَ آفتُها الحِمْية. . .

(فصل)

ومما يؤثر في باب الخوف قوله صلى الله عليه وسلم: (رأسُ الحكمة مخافة الله) .

وهذا الحديث الشريف - على وضوحه وجماله وإشراقه وإنارته، وعلى أنه ممّا كنّا نستظهره إبّان الحداثة، إذ يلقّنوننا إيّاه أوائل التعليم في المكاتب لا بدَّ من التبسّط في القول عليه. قال صاحب القاموس: الحكمة تأتي بمعنى العدل والعلم والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل ووضع الشيء في موضعه وصواب الأمر وسداده، وقال أبو البقاء في كلياته - بعد أن أورد ما قال صاحب القاموس: والحكمة في عرف العلماء: استكمالُ النفس الإنسانية، باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدرَ طاقتها، قال: وقال بعضهم: الحكمة هي: معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبَّر عنه بمعرفة ما لها وما عليها، المشار إليه بقوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} .

وإفراطُها الجَرْبزة وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي كمخالفة الشرائع، وتفريطها: الغباوة التي هي: تعطيل القوة الفكرية والوقوف عن اكتساب العلم. . . انتهى.

وبعد فإن المستقصي لكل ما أوردوه من معاني هذه الكلمة - الحكمة - يرجع إلى إحكام الشيء، أي إتقانه، كيلا يتسرّب إليه خللٌ أو فسادٌ، وكي يبلغَ ذروةَ الكمال جُهْدَ الاستطاعة، حتى قيل لكل من يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، ومن ثم يقال للعالم العامل بعلمه: حكيم، وللرجل العاقل المهذب الموفق: حكيم، وللقاضي العادل في أحكامه: حكيم، وللرجل المجرَّب الذي حنّكته التجاريبُ ووثّقته حتّى لا يصدرَ عنه إلا كلُّ ما هو سداد: حكيم، ويقال للمواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها: حكمة، ولكل كلامٍ نافعٍ يمنع من الجهل والسَّفه: حكمة، ومن ذا تسمية القرآن والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، وكل ما يحذو على حذوها، مما يتضمّن مواعظَ وآدابًا وأخلاقًا فاضلة: حكمة، إذ كلُّ أولئك يرتدّ إلى معنى الإتقان والتوثيق والإصابة والسداد. . . وإذن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: رأس الحكمة مخافةُ الله: أسُّ الحكمة وقوامها: الخوف منه سبحانه، لأن الحكمة من شأنها أن تمنع النفس عن كل ما نهينا عنه، ولا يحدو المرءَ على العمل بها إلا الخوفُ منه، عزّ وتقدّس، ومتى كان هذا الخوف شعارَه حاسب نفسه على كل خطرة ونظرة ولذّة؛ وبذلك تكون مخافة الله آكدَ أسبابِ النجاة ولا تتم الحكمة إلا بها. . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت