فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 465

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ...(177)}

ومن أروع وأجمع ما قيل في البِرّ على سائر ألوانه قوله جلّ شأنه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } . . .

نزلت هذه الآية الكريمة بعد أن أكثر أهل الكتاب من يهود ونصارى، الخوض في أمر القبلة حين حول رسول الله إلى الكعبة، وزعم كل من الفريقين أن البِرَّ هو التوجه إلى قبلته، ففند الله سبحانه هذا الزعم وبهرجه وقال: ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر هو أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمّة إليه هو بِرّ من آمن وقام بهذه الأعمال. . . هذا، وقوله. ليس البر أن تولوا فالبرَّ بالنصب خبر ليس مقدم. وأن تولوا مؤول بمصدر اسم ليس مؤخر، وقوله: ولكن البر من آمن: إما مثل قول الخنساء:

فإنّما هي إقبال وإدبار

أو تقول؛ ولكن البر: أي ذا البر أو تقول، إنه على حذف مضاف، أي بر من آمن. وقوله سبحانه: والكتاب، يعني جنس كتب الله، أو القرآن.

وقوله: على حبه، أي مع حب المال والشح به، وقدم ذوي القربى لأن الإحسان إليهم أفضل، كما ورد في الأثر: صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي رحمك اثنتان، صدقة وصلة، وابن السبيل: المسافر المنقطع، وقيل الضيف: لأن السبيل يرعف به - أي يتقدم به ويبرزه للمقيمين كما يرعف الأنف بدم الرعاف - وقوله: وفي الرقاب: أي وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم وقيل: في شراء الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك الأسارى.

وقوله: والموفون بعهدهم: عطف على من آمن وقوله: والصابرين، فهو منصوب على المدح، ولم يعطف، لفضل الصبر على سائر الأعمال، والبأساء، أي في الأموال كالفقر، والضراء، أي في الأنفس كالمرض. وحين البأس: أي وقت مجاهدة العدو. . . أليست هذه الآية الكريمة - كما قال الإمام البيضاوي، وكما ترى - جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، دالة عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنها على تشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس.

وقد أشير إلى الأول بقوله: من آمن بالله. إلى: والنبيين، وإلى الثاني بقوله: وآتى المال. . إلى: والرقاب، وإلى الثالث بقوله: وأقام الصلاة. . . إلى آخرها. ولذلك وُصِفَ المستجمعُ لها بالصدق، نظرًا إلى إيمانه واعتقاده، وبالتقوى اعتبارًا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق سبحانه، ولذلك قال عليه السلام: (من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت