فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 465

(عبقرياتهم في آداب السؤال واستنجاح الحوائج)

ولهم في السؤال وآدابه واستنجاح الحوائج ودستوره، مَحاسنُ رأينا أن نُلِمَّ بها، إتمامًا لهذا الباب، فمن ذلك حثُّهم على سُؤال الشبان دونَ الشيوخ، والصِّباح دون القِباح، والكريمِ

الفقير دون الغنيِّ اللئيم. وهذا لَعْمري من حِذق الأوائل وتفطنهم إلى طبائع النفوس. . .

قال حكيم: طلبُ الحوائج عند الشبان أسهلُ منها عند الشّيوخ، ألا ترى أن يعقوبَ عليه السلام لمّا سأله بَنوه أن يستغفرَ لهم قال: سوف أستغفر لكم ربّي، وقال يوسف عليه السلام: لا تثريبَ عليكم اليوم. . . وفي الأثر: اطلبوا الحوائجَ إلى حِسان الوجوه. . . وسُئل ابنُ عائشة عن هذا الحديث فقال: معناه: اطلبوها من الوجوهِ التي يَحسُن بالمرء أن يطلبها منها. . .

وقال البحتري:

مَنْ حَسّنَ اللهُ وَجْهَهُ وسَجَا ... يَاهُ وأَعْطاهُ كُلِّفَ الكُلَفَا

وقال السريّ الرفّاء:

صَرَفْتُ عن الكثيرِ الوفْرِ طَرْفي ... وها أنا للقليلِ الوفْرِ راجِ

وكم من نُطْفَةٍ عَذُبَتْ وكانَتْ ... أَحَبَّ إليَّ مِنْ بحرٍ أُجَاجِ

وقالت امرأةٌ من ولد حسان بن ثابت:

سَلِ الخَيْرَ أهْلَ الخَيْرِ قِدْمًا ولا تَسَلْ ... فتًى ذَاقَ طَعْمَ العَيْشِ مُنْذُ قريبِ

وقال مسلم بن قتيبة: لا تطلبن حاجتك إلى كذّاب، فإنه يقرّبها وهي بعيدٌ، ويبعدها وهي قريبٌ، ولا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعَك فيضرَّك، ولا إلى رجلٍ له عند من تسأله الحاجةَ حاجةٌ، فإنه لا يؤثرك على نفسه وقال شاعر:

لا تَطْلُبَنّ إلى لَئيمٍ حاجَةً ... واقْعُدْ فإنَّكَ قائِمًا كالقاعِدِ

يا خادعَ البُخلاءِ عَنْ أَمْوَالِهمْ ... هَيْهَاتَ تَضْرِبُ في حَديدٍ باردِ

وقال بعض الأدباء: عليك بذي الحصَرِ البَكيِّ، وبذي الخِيمِ الرضِيِّ، فإنّ مثقالًا من شدّة الحياء والعِيِّ، أنفعُ في الحاجةِ من قنطارٍ من لسانٍ سليمٍ وعقلٍ ذكيٍّ، وعليك بالشهم النَّدْبِ الذي إن عَجِزَ أيأسَك، وإن قدرَ أطعمَك. .

وقال الفاروق رضي الله عنه: لا تستعن على حاجتك إلا بمن يحبُّ نجاحَها لك. .

وقال ابن عبّاس: لا تسألنْ حاجةً بالليل، ولا تسألنْ أعمى، فإنّ الحياء في العينين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت