فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 465

(عبقريات شتى في المشورة)

قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - شاعر ضخمٌ أدرك الدولة العباسية:

إذا كنْتَ في حاجَةٍ مُرْسِلاً ... فأرْسِلْ حَكيماً ولا تُوصِهِ

وإنْ بابُ أمْرٍ عليكَ الْتَوى ... فشاوِرْ لَبيباً ولا تَعْصِهِ

ولا تَنْطِقِ الدَّهْرَ في مَجلسٍ ... حَديثاً إذا أنْتَ لمْ تُحْصِهِ

ونُصَّ الحديثَ إلى أهْلِه ... فإنَّ الوثيقةَ في نَصِّهِ

وإنْ ناصِحٌ منك يَوْماً دَنا ... فلا تَنأ عَنْهُ ولا تُقْصِهِ

وكَمْ مِنْ فَتًى شاخِصٍ عقلُه ... وقد تَعْجَبُ العينُ مِنْ شَخْصَهِ

وآخَرَ تَحْسَبُه جاهِلاً ... ويأتيكَ بالأمْرِ مِنْ فُصِّهِ

وقال ابنُ المقفَّع: لا يُقْذَفنَّ في روعِك أنّك إذا اسْتشرْتَ الرجالَ ظهر للناسِ منكَ الحاجةُ إلى رأيِ غيرِك فتَنْقَطِعَ بذلك عن المَشورة، فإنّك لا تريدُ الرأيَ لِلْفَخْرِ ولكن للانتفاعِ به، ولو أنّك أردْتَ الذِّكْرَ لكانَ أحسنُ الذِكر عند الألِبَّاءِ أنْ يُقال: لا يَنفردُ برأيِه دون ذَوي الرأيِ من إخْوانه. . . .

ولما سار سيّدُنا رسولُ اللهِ إلى قريشٍ في غَزاةِ بدرٍ نزل صلى الله عليه وسلم أدنى ماءٍ من مياه بدر، فقال له الحباب بنُ المُنذر: يا رسول الله، أرأيْتَ هذا المنزلَ أمَنْزِلٌ أنزَلَكَه اللهُ عزَّ وجل ليس لنا أن نتقدَّمه ولا أن نتأخّرَ عنه، أمْ هو الرأيُ والحربُ والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحربُ والمكيدة؛ فقال: يا رسول الله، فإنّ هذا ليسَ لك بمَنْزل، فانْهضْ بالناس حتى نأتيَ أدنى ماءٍ من مياه القوم فنَنْزلَه، ثم نُعَوِّرَ ما سواه من القُلْبِ، ثمَّ نبني عليه حوضاً فنَملأه ماءً، ثم نقاتلَ القومَ فنشربَ ولا يشربوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقدْ أشَرْتَ بالرأيِ وفعل ما أشار به الحُباب.

وفي حديث أبي هريرة: ما رأيْتُ أحداً أكثرَ مشورةً لأصحابِه من النبيّ صلى الله عليه وسلم. . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت