فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 465

(عبقريّاتهم في الصبر)

قال الراغب في فصل عنوانه مُداواةُ الغمِّ وإزالةُ الخوف مع شيءٍ من التصرف: خليقٌ بالإنسانِ أن يعلمَ أنّ الدنيا جمَّةُ المصائِبِ رَنْقةُ المشارِبِ تُثمر للبَرِيّةِ أضعافَ البليّة، فيها مع كل لقمةٍ غُصّة، ومع كل جُرْعةٍ شَرْقةٌ، فهي عَدوَّةٌ ومَحْبوبةٌ كما قال أبو نواس:

إذا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشّفَتْ ... لَهُ عن عَدُوٍّ في ثِيَابِ صَديقٍ

وكما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: ما مثلُنا مع الدُّنيا إلا كما قال كثيّر:

أَسيِئي بِنَا أوْ أحْسِنِي لا مُلومَةٌ ... لَدَيْنا وَلا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ

فما أحدٌ فيها إلا وهو في كلِّ حالاته غرضٌ لسِهامِها:

تُناضِلُهُ الآفاتُ مِنْ كلِّ جانبٍ ... فتُخْطِئُهُ يومًا ويومًا تُصِيبُهُ

وقال بعضُ الحكماء: أسبابُ الحزن فقدُ محبوبٍ أو فوتُ مطلوبٍ، ولا يسلم مِنْهما إنسانٌ، لأن الثّباتَ والدّوامَ معدومان في عالم الكون والفساد فمن أحبَّ أن يعيشَ هو وأهلُه وأحبابُه سالمين فهو غيرُ عاقلٍ، لأنّه يريدُ أن يملكَ ما لا يُملكُ، ويُوجِدَ له ما لا يُوجَدُ، فحقيقٌ بالمرءِ أن لا يُخلي قلبَه من الاعتبارِ بما يرى، من ارْتجاعٍ لودائِعِها من أربابِها، وحلولٍ لنوائبِها بأصْحابها.

ثمَّ من حقّه أن يقلّل من اقتناءِ ما يورثُه الحزنَ، فقد قيل لحكيم: لم لا تغتمُّ؟ فقال: لأنّي لم أقتنِ ما يغمُّني فقدُه، أخذه الشاعرُ فقال:

فمَنْ سَرَّهُ أن لا يَرى ما يسوؤُه ... فلا يَتَّخِذْ شَيْئًا يَخاف له فَقْدا

وقيل لحكيم: هل للإنسان أن يعيشَ آمِنًا؟ قال: نعم، إذا احترسَ من الخطيئةِ، وقَنِعَ بحلاله، ولم يحزن لما هو واقعٌ به لا محالة. واعلم أنّ الجزع على ما فات لا يَلُمُّ ما تشعَّث ولا يُبْرمُ ما انْتكَث؛ فأمّا غمُّه على المُستقبل فلا يخلو من ثلاثةِ أوْجهٍ: إمّا في شيءٍ ممتنعٍ كونُه، أو واجبٍ كونُه، أو ممكنٍ، فإن كان على ما هو ممتنعٌ كونُه فليس ذلك من شأنِ العقلاء، وكذلك إذا كان من قبيلِ الواجبِ كونُه، كالموتِ الذي هو حَتْمٌ في رقابِ العباد، وإن كان ممكنًا كونُه فإن كان من الممكن الذي لا سبيلَ إلى دفعِه كإمكانِ الموتِ قبل الهرمِ فالحزنُ له جهل، واستجلابُ غَمٍّ، وإن كان من الممكن الذي يصحُّ دفعُه فالوجهُ أن يحتالَ إلى دفعِه بفعلٍ غير مشوبٍ بحزن، فإن دَفَعَه وإلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت