فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 465

إذا احْتَجَّ مُحْتجٌّ على النَّفْسِ لم تَكَدْ ... على قَدَرٍ يُمْنَى لها تَتَعَتَّبُ

وساعَدَها الصَّبْرُ الجميلُ فأَقبَلَتْ ... إليها له طَوْعًا جَنائِبُ تُجْنَبُ

وإنْ هو مَنَّاها الأباطيلَ لم تَزَلْ ... تُقاتِلُ بالعَتْبِ القضاَء وتُغْلَبُ

فتُضْحِي جَزوعًا إنْ أصابَتْ مُصيبةٌ ... وتُمْسِي هَلوعًا إنْ تَعذَّرَ مَطْلَبُ

فلا يَعذِرَنَّ التارِكُ الصَّبْرَ نفسَه ... بأنْ قيلَ إنَّ الصَّبْرَ لا يُتَكَسَّبُ

وقال الأصمعيُّ: أحسنُ ما قيل في الصَّبر مع الشرح قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذلي:

وتَجَلُّدِي للشّامِتينَ أُرِيهُمُ ... أنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ

حتّى كأنّي للحَوادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا المُشَقَّرِ كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ

لا أتضعضع: لا أذلُّ ولا أخضع، وريْبُ الدّهر: صرفُه، والمروة واحدة المَرْوِ وهي:

حجارةٌ بيضٌ بَرّاقة يُقدحُ منها النار: ومروة المَسْعى التي تذكر مع الصفا في الحج - وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعيُ إليهما - سُمّيت بذلك، وبصفا

المشقَّر يُروى: بصفا المشرَّق، أمّا المُشقَّر فهو: موضع أو حصن بالبحرين قديم بناه كسرى، والمشرَّق فهو: جبلٌ بسوق الطائف، والصفا: جمعُ صَفاة: صخرةٌ ملساء وبه سُمّي أحدُ جبلَيْ المَسْعى، وهذانِ البيتانِ من قصيدة أبي ذؤيب التي يرثي بها بنيه الخمسة وقد ماتوا في عامٍ واحد، وأوّلها:

أمِنَ المَنُونِ ورَيبِها تتوجَّعُ ... والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

قالَتْ أُمامَةُ: ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ... مُنْذُ ابْتُليتَ ومِثلُ مالِكَ ينْفَعُ

أمْ ما لِجِسْمِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعًَا ... إلا أقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ

يروى أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه استأذن على معاويةَ في مرضِ موتِه ليعودَه، فادَّهَنَ واكتحلَ - أي معاوية - وأمرَ أن يُقْعَدَ ويُسْندَ وقال: ائذنوا له، وليُسلِّم قائمًا ولْيَنْصرِفْ، فلمّا سلّم عليه وولّى، أنشد معاويةُ قولَ أبي ذؤيب: وتجلُّدي للشّامتين. . . البيت، فأجابه ابنُ عبّاس على الفور:

وإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفارَها ... ألْفَيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ

ثم ما خرجَ مِنْ دارِه حتى سمع نعيَه. . .

وقال ضابئ بنُ الحارث البُرْجُميُّ من أبياتٍ قالها في سجن عثمانَ بنِ عفّان رضي الله عنه:

ورُبَّ أُمورٍ لا تَضِيرُكَ ضَيْرَةً ... ولِلْقَلْبِ مِنْ مَخْشاتِهِنَّ وَجِيبُ

ولا خَيْرَ في مَنْ لا يُوَطِّنُ نفسَه ... على نائِباتِ الدَّهْرِ حينَ تَنُوبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت