الرُّخصة في إفشاء السرّ إلى الصديق
قال بعض الشعراء:
وأبْثَثْتُ عَمْراً بَعْضَ ما في جَوانِحي ... وجَرَّعْتُه مِنْ مُرِّ ما أتَجَرَّعُ
فلا بُدَّ مِنْ شَكْوى إلى ذي حَفيظةٍ ... إذا جَعَلَتْ أسْرارُ نَفْسي تَطَلَّعُ
وقال أبو تمام:
شَكَوْتُ وما الشَّكْوى لِمِثليَ عادةٌ ... ولكِنْ تَفيضُ الكأسُ عِنْدَ امْتِلائِها
وقالوا: لا يزالُ المَرْءُ في كُرْبةٍ ووَحْشةٍ ما لَمْ يجدْ مَنْ يشكو إليه. . . وممّا يتصل بهذا أنْ يخبرَ المريضُ طَبيبَه بِكُنْه دائِه.
وقال محمود الوراق:
إذا كَتمَ الصديقُ أخاه سِرّاً ... فما فَضْلُ الصَّديقِ على العَدوِّ
عبقريات شتى في كتمان السر
قال المُهلَّب بن أبي صُفرة: أدنى أخلاقِ الشريف كتمانُ السرّ، وأعلا أخلاقِه نسيانُ ما أسِرَّ إليه.
ويُروى أنّ معاوية بن أبي سفيان أسرَّ إلى ابنِ أخيه عثمانَ بنِ عنبسة بن أبي سفيان حديثاً، قال عثمان: فجِئْتُ إلى أبي فقلت: إنّ أميرَ المؤمنينَ أسرَّ إليَّ حديثاً أفأحدِّثُك به فقال: لا، إنّه من كتمَ حديثَه كانَ الخيارُ إليه ومنْ أظْهَره كانَ الخيارُ عليه، فلا تَجْعلْ نفسَك مَمْلوكاً بعدَ أنْ كُنْتَ مالِكاً، فقلت له: أوَيَدْخلُ هذا بينَ الرَّجلِ وأبيه؟ فقال: لا، ولكنّي أكْرَه أنْ تُذلِّلَ لِسانَك بإفْشاءِ السرّ! قال: فرجعت إلى معاوية فذكرْتُ ذلك له، فقال معاوية: أعْنَقك أخي من رِقِّ الخطإِ. . . .
وكان معاوية يقول: أعِنْتُ على عليٍّ رحمه الله بأربعٍ: كنتُ رجلاً
أكْتمُ سرّي، وكان رجلاً ظُهَرَةً وكنْتُ في أطْوَعِ جندٍ وأصْلحِه، وكان في أخْبثِ جندٍ وأعْصاه، وتركْتُه وأصحابَ الجملِ وقلتُ: إنْ ظَفِروا به كانوا أهْونَ عليَّ منه، وإنْ ظَفِرَ بهم اعتَدَدْتُ بِها علَيْه في دينه، وكنتُ أحبَّ إلى قُريْشٍ منه. . .
وجاء رجلٌ إلى القاضي شُرَيح فكلّمه بشيءٍ وأخفاه، فلما خرجَ قال له رجلٌ: يا أبا أميّةَ، ما قال لكَ؟ قال: يا ابنَ أخي، أوَ ما رأيتَه سَتَرَه عنك!
وأسرَّ رجلٌ إلى صديقٍ له حديثاً فلما استقصاه قال: أفهِمْتَ؟ قال: لا، بل نَسيتُ. .
وقال عبيدُ الله بن عبد الله بن عتبةَ بن مسعود الفقيه:
إذا كان لي سِرٌّ فَحَدَّثتُه العِدا ... وضاقَ به صَدْري فَلَلناسُ أعْذَرُ
هُوَ السِّرُّ ما اسْتُودِعْتَه وكَتَمْتَه ... ولَيْسَ بِسرٍّ حينَ يفشو ويَظْهرُ
ويقال: إذا انتهى السرُّ مِن الجَنانِ إلى عَذَبةِ اللّسانِ فالإذاعةُ مُستوليةٌ عليه. . . .